تسارعٌ أقرب إلى السرعة الزائدة، وربما إلى التسرّع، هو الوصف الأقرب لتنامي العلاقات التركية السورية. فمطرقة مواكبة الاقتصاد للسياسة تضغط على كلا البلدين للمواءمة، والانتقال بالعلاقات الاقتصادية من علاقات محدودة ومقيدة بالنزاعات خلال مرحلة النظام السوري السابق، قبل أقل من عامين، إلى طموح لما بعد الشراكة، وتأسيس نواة لتكامل اقتصادي إقليمي، تنطلق من الجغرافيا وموقع سورية.
ولا تتوقف الغاية عند رفع قيمة التبادل وحجمه، أو حتى الاستثمارات المشتركة ونقل المعرفة التركية المتطورة إلى الجارة المتأخرة اليوم، بعد سنوات الحرب وهروب الأموال وتهديم البنى والهياكل. والطموح المشترك، على ما يبدو، يغفل أو يتغافل عن الفوارق الهائلة بين اقتصاد يسابق على دخول نادي العشرة الكبار، بعد ناتج تجاوز 1.3 تريليون دولار وصادرات تقترب من 300 مليار دولار، وآخر بالكاد يتلمس التعافي، بناتج دون 20 مليار دولار ويعتمد في جلّ استهلاكه على المستورد. وهو ما ينذر، في حال استمرار هذا التغافل أو التنكر لواقعية التحديات والمخاطر الهيكلية، بإخلال توازن تنموي قد ينسف ملامح الاقتصاد السوري التقليدية، من صناعة وتجارة وحتى خدمات، ويحيله بعد هذا الخلل إلى تابع وسوق إضافية لتصريف الإنتاج التركي.
وهذا أمر ممكن، وربما متوقع، بالنظر إلى دهاء السلطة في دمشق في استعادة العلاقات واستثمار المرحلة والدعم الدولي بشكل عام، وإلى الممرات الاستراتيجية وحاجة تركيا تحديداً للجغرافيا السورية، أن يحرق الاقتصاد المهدم مراحل التجريب، فيأخذ الجانب الإيجابي من الاقتصاد التركي، من توطين للإنتاج ونقل للمعرفة، ويستفيد من تجارب تحديث البنى التحتية والقطاع المالي، قبل أن يستثمر ورقة الترانزيت الإقليمي، بما لها من فائدة للداخل السوري، من تطوير للبنى التحتية والنقل، وما تدرّه من عائدات وتطوير لصناعة الخدمات.
قصارى القول: حضرت تركيا، خلال النسخة الحالية لمعرض دمشق الدولي الثالثة والستين، بوصفها الشريك الأكبر والراعي الأقوى للاقتصاد السوري، من دون أن يقتصر هذا الحضور على 200 مشارك أو 40 شركة، في جناح بلغت مساحته ألف متر، بل حملت المناسبة، المُضاء عليها دولياً، رسالة إلى من يهمّه الأمر مفادها “أننا هنا”، عبر ملتقى رجال الأعمال السوري التركي الذي ناقش عملياً، لا نظرياً أو بفتوحات قولية، حضور الشركات التركية في إعادة الإعمار والنقل والطاقة، وافتتاح فروع للمصارف التركية، وإقامة مناطق صناعية مشتركة على الحدود، لرفع حجم التبادل التجاري من 3.7 مليارات دولار العام الماضي إلى 10 مليارات في المدى المتوسط، وهو الرقم الطموح الذي اتفق عليه الجانبان خلال الملتقى وكرره من دمشق وزيرا التجارة في البلدين.
أما عن بنية التبادل التجاري السلعية لتلك المليارات العشرة، أو اختلال الميزان التجاري، فلم تكن ضمن خطط الجانبين بالبحث أو النقاش، ولم يعرّج عليها الوزيران خلال طرح الرقم الطموح، رغم أن العبرة ليست في مضاعفة حجم التبادل فقط، بل وربما الأهم، في تحليل بنية العملية التجارية وطبيعتها، ودراسة اختلال الميزان التجاري، وبحث طرق حماية الإنتاج، في ظل تفوّق القدرة التنافسية للمنتج التركي التي تهدد، بعد إغراق السوق، الإنتاج السوري الصناعي والزراعي وجودياً، وتحوّل سورية، بفعل الاندفاع أو ضغط السياسة، إلى منطقة عبور وسوق تركية لا أكثر.
نهاية القول: كما أن من حق تركيا، عملياً ونفعياً، أن تنظر إلى سورية كسوق خلفي أو حتى وكالة احتكار، فمن حق سورية أيضاً أن تتحوّط، إن لم نقل تتشدد، في شروط نقل المعرفة والتكنولوجيا قبل التغني بالاستثمار، أي استثمار.
ومن واجب الصناعة على الدولة السورية تفعيل قوانين حماية الإنتاج المحلي، والرقابة الجمركية الفعالة، وفرض مواصفات ومعايير صارمة لجودة المستوردات، لحماية سلامة المستهلك والمنتج السوري من منافسة غير متكافئة، على الأقل ريثما يتعافى الإنتاج السوري ويستعيد الاقتصاد قدرته على المنافسة، أو يغتنم الاندفاع التركي عبر توطين الإنتاج المتطور وإقامة مشاريع وصناعات مشتركة، ترسم ملامح علاقات ندّية متكافئة، وتؤسس نواة لتوازن تنموي واستقرار إقليمي، وتُبعد سورية عن تبعية اقتصادية، وربما غير اقتصادية، أحادية الجانب.
وأما عن سؤال ما إذا كانت سورية، بحكم موقعها وتوقيت المرحلة، قادرة على فرض الشروط والتطلع إلى الندية، فالإجابة، وأغلب الظن، نعم. فإن تجاوزنا التصريحات التركية الرسمية بالحرص على الأخذ بيد سورية لا استغلال وضعها، فثمة شركاء آخرون كثر، يحرصون، وهذا في مصلحتهم، على تطوير سورية لا احتوائها، لتكون نموذجاً معيارياً في المنطقة، خلال مرحلة تحوّل إقليمي يُراد لها دولياً أن تنجح.
- العربي الجديد










