في الحروب ربما ينشغل الفرقاء بقتال بعضهم عن الالتفات إلى الأصوات غير المعسكرة بالدرجة التي يريدونها. أما قبل ذلك، عندما تمور الصراعات وتهمر مهددة بالانتقال إلى أرض الواقع، فقد يتسلى حمَلة البنادق الباردة بهدم الجسور وتفريغ نقاط التماس من السكان الذين ربما يتخذون مواقف ليست حدية بسبب الإطلال على المشهد من أكثر من زاوية رؤية.
في سوريا اليوم حرب أهلية افتراضية وسياسية تزمجر على مدار الساعة. أحد طرفيها جمهورٌ متحمسٌ للسلطة، لا يكلّ من التذكير باستعداده لتلبية ندائها أو التطوع في أي “فزعة”. والثاني جماعات من أشرس أعدائها وأفراد من أشد خصومها. وإذا كانوا ممن لا يمتلكون الآن من عدّة الحرب الفعلية ما يكفي فإنهم يعوّضون ذلك بالجذرية التي لا تقبل أن ترى في المشهد الحالي للبلاد ما يبعث على النظر. فيتبادل الطرفان التكفير، الديني من جهة والوطني والقانوني والإنساني من جهة أخرى. كلٌّ بحسب ذخيرته الأصلية من المعرفة وطبيعة منصته الفكرية.
وبين الخندقين يتمشى أفراد قرروا ألا يتجاهلوا تعقد المعطيات، وألا يقسروها على تفسير مسبق واحد رغماً عن الطبيعة. أو، ببساطة، أرادوا أن يقرأوها بشكل موضوعي حتى ولو لم يعجب ذلك انحيازاتهم الشخصية. ومن الطبيعي، والحالة هذه، أن يتوصلوا إلى استنتاجات مركّبة أحياناً، وإلى نتائج ليست أحادية التوجه، وإلى قراءات لا تلبّي طموحات أي من جند الفريقين. إذ لا يمكن لأي معرفة متنوعة المصادر، يوسّعها صاحبها ويحترمها، إلا أن توصل إلى مواقف حذرة من التورط في الهتاف في الجوقة التي لا تكف عن إعلان النفير باتجاه الأعداء.
من المعروف كذلك أن صورة المثقف عندنا توحي، في العموم، بهاجس الكلام النظري والتعقيد غير المجدي وتحويل ما هو “بديهي” إلى مسألة تستوجب النقاش
وكان من مألوف الحروب أن تتعرض هذه الهُجنة، التي يجري التعبير بالوصف السريع “الوسطية”، لطلقات مقاتلي الطرفين، القناصين منهم ومطلقي النار رشاً من دون تمييز. ففي منظورهم العدو عدو، تُجهَّز له آلة الموت من دون غضاضة ولا تردد. ولأجل ذلك يجب أن يكون صفّه واضح السمات نهائياً في تمثيلها. فهو شرٌّ مطلق، عميل، شيطان بشري، داعشي أو باطني، يسري الإجرام في دمه والخيانة في أرومته. أما صفّنا، الناصع أيضاً، فهو طرف يحب السلام و”يستحق الحياة”، باحث عن وداعة القرية أو تنمية المدينة، لا يعيقه عن ذلك سوى تآمر الطرف الآخر وسوء طويته وخبث هدفه.
والمواقف المركّبة، أو الجزئية، تشوّش صورة نقاء الطرفين وتخدش ثنائية الخير والشر والأبيض والأسود اللذين توزّعا على طرفي مشهد أزلي. ولذلك ينبغي على عسس الفريقين أن يبحثوا عن المتهمين بالوسطية فيرفعوا أسماءهم إلى المجلس الحربي للقبيلة ليعاملهم بالعنف التي يستحقون. فما دامت المعسكرات واضحة، الحق، كل الحق، في طرفنا، والباطل صفة خصومنا منذ سلالة أجدادهم، ما الدافع إلى موقف وسط بين الفسطاطين إن لم يكن اللعب على الحبال أو تحصيل مكاسب مزدوجة أو، على الأقل، رخاوة أصلية يتسم بها المثقف؟
ذلك أنه من المعتاد أن تأتي المواقف غير الحادة من مثقفين لا من مقاتلين، حتى لو قرأ بعض الأخيرين الكتب. ومن المعروف كذلك أن صورة المثقف عندنا توحي، في العموم، بهاجس الكلام النظري والتعقيد غير المجدي وتحويل ما هو “بديهي” إلى مسألة تستوجب النقاش.
أصبحت تسميات من نوع “الوسطية”، على الرغم من عدم دقتها، أو “الحكمة”، وحتى الموضوعية؛ تهماً مسبقة الإدانة في حد ذاتها. حين شاع أن التطرف ميزة والقطعية ثبات على المبدأ.
ومن طرف آخر، المثقف النقدي قليل الديّة بعد أن غادر مضارب قبيلته. لا جيش إلكترونياً ينافح عنه ولا أتباع صلبين يفدونه بأرواحهم ولا جمهور يستسيغه أصلاً. بل يمكن تحريض هذه الأنماط كلها ضده بجهد يسير. ومن طرف ثانٍ تسهل الإساءة إلى سمعته العامة في الأوساط النخبوية بتسليط الأضواء الحربية على ما تلبّس به من “خيانة” عدم الاندراج في القوالب التي رسمتها تقاليد سياسية وثقافية وحزبية مستقرة.
وبما أن “نقد المثقف” بات رياضة رائجة منذ انهيار “الآيديولوجيا”، كما وُصِفت تحولات التسعينات، لم يعد يحتاج الأمر إلى أكثر من نزعة فوضوية عالية ليتاح للمارة معايرته، وتعييره، لعدم التزامه بالمسطرة التي فصّلتها كل جماعة لنفسها ورفعتها إلى رتبة القداسة. فأصبحت تسميات من نوع “الوسطية”، على الرغم من عدم دقتها، أو “الحكمة”، وحتى الموضوعية؛ تهماً مسبقة الإدانة في حد ذاتها. حين شاع أن التطرف ميزة والقطعية ثبات على المبدأ.
لكن هل تحتاج سوريا اليوم إلى المزيد من الاستقطاب؟ وهل ينبغي علينا أن نلاحق كل صوت مشوب بتعقيدات الواقع لنطالبه بالأحادية؟ وما حصيلة مواقف المثقفين الذين اختاروا أن يكونوا أبواقاً لقبائلهم، الأهلية الأصلية أو المنتقاة إرادياً، فلم يعودوا ينتجون سوى مرافعاتها وطلب الإعدام لخصومها؟
ليس من الضروري أن ينطلق المرء من رغبة توافقية، أو حتى من حرص على “المصلحة الوطنية” المغدورة، ليصل إلى التعددية ونسبية الحكم وموشورية رؤية الحالة. فالمعطيات الواقعية تملك ما يكفي من القوة لأن تفرض نفسها على أي متابع سليم النية. وإن مجرّد ترك العقل للسير الطبيعي مع استنتاجاته بنزاهة كفيلٌ بفرض مواقف وتحليلات متنوعة الأوجه بلا أي قسر. بل إن إضفاء الانسجام بالقوة على وقائع بلد في مرحلة انتقالية، تقوده سلطة في حالة تغيّر داخلي، هو ما يحدّ من فرصة الفهم ويشرع الباب أمام الصخب الذي لا يفعل أكثر من تضييع وقت البلد ورفع قيمة فاتورته، الباهظة أصلاً.
- تلفزيون سوريا










