لم تعد أسئلة العنف المجتمعي في سوريا حاضرة بوصفها جزءًا من أحداث سنوات الحرب الماضية فقط، بل تظهر بين حين وآخر في بعض البلدات والمدن السورية، في وقائع تكشف هشاشة السلم الأهلي عندما تتداخل الخلافات الفردية والأسرية اليومية مع الانتماءات المناطقية والعشائرية، ولعل أحدث مثال يمكن الإشارة إليه ما شهدته بلدة جديدة عرطوز في ريف دمشق الغربي يومي 27 و28 آب/أغسطس، يقدم المثال الملموس على هذه الإشكالية.
إذ بدأت الأحداث بخلاف ومشاجرة بين شخصين، ثم اتسعت إلى احتكاك بين مجموعات من أبناء البلدة وشبان من عشائر محافظة دير الزور المقيمين فيها، وترافق ذلك مع إطلاق نار وأعمال تخريب بالممتلكات والخدمات، وانتشار لقوى الأمن وفرض حظر للتجوال.
تكتسب هذه الأحداث أهميتها في القراءة السوسيولوجية، لأنها تتيح ملاحظة اللحظة التي يمكن أن ينتقل فيها الخلاف من مستوى فردي إلى مستوى جماعي ومناطقي.
إن أحد أهم شروط الحد من العنف المناطقي والعشائري هو إعادة الفرد إلى موقعه بوصفه فردًا ومسؤولًا عن أفعاله الشخصية، فإذا ارتكب شخص جريمة، ينبغي أن تكون المسؤولية فردية..
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز الحادثة نفسها: متى يتحول الآخر من شخص مختلف إلى ممثل لجماعة أو عشيرة؟ ومتى يصبح الانتماء إلى المنطقة أو العشيرة أكثر حضورًا من الانتماء إلى المواطنة المشتركة “السورية”؟
إن أهمية هذا السؤال تكمن في أن العنف لا يبدأ دائمًا من اختلاف جوهري بين جماعتين، بل قد يبدأ من حادثة محدودة، ثم يعاد تفسيرها ضمن شبكة أوسع من الذاكرة والخوف والشك والانتماء، فينتقل الفاعل من كونه فردًا إلى كونه حاملًا لهوية جماعية.
ولا يعني ذلك أن الانتماء العشائري أو المناطقي هو مصدر للعنف في ذاته، فهذه الانتماءات جزء من البنية الاجتماعية السورية، ويمكن أن تؤدي وظائف في التضامن والمساعدة وحل النزاعات وتنظيم العلاقات، غير أن الظروف السياسية والأمنية قد تغير طريقة عملها، فعندما يشعر الأفراد بعدم توفير الحماية من المؤسسات الرسمية المختصة، حينئذ تزداد أهمية الشبكات المحلية والقرابية والعشائرية لتوفير هذه الحماية، وقد تتحول من روابط اجتماعية إلى أدوات للتعبئة أو التفاوض والصلح أو حماية المصالح.
ومن هنا لا بد من التمييز بين الانتماء الاجتماعي وتسييس الانتماء، فكون الشخص من منطقة معينة أو من عشيرة معينة لا يخبرنا بالضرورة عن موقفه السياسي أو سلوكه تجاه الآخرين، لكن عندما تدخل المنطقة أو العشيرة في تعريف أطراف النزاع، يصبح الانتماء نفسه جزءًا من تفسير الحدث، وحينئذ يمكن أن ينتقل الحكم من الفرد إلى الجماعة، فيُنظر إلى شخص ما لا باعتباره فاعلًا محددًا في واقعة معينة، وإنما باعتباره ممثلًا لـ”هؤلاء” أو “أولئك”.
وهذه الآلية تمثل مدخلًا مهمًا لفهم العلاقة بين الأنا والآخر، فالهوية لا تتشكل فقط من خلال ما يقوله الفرد عن نفسه، وإنما أيضًا من خلال الحدود التي يرسمها بينه وبين الآخرين، وفي الظروف العادية يمكن لهذه الحدود أن تكون مرنة وقابلة للتداخل؛ فالفرد يستطيع أن يكون ابن منطقة معينة، وفردًا في عشيرة، وعضوًا في حزب سياسي، وفي الوقت نفسه مواطنًا في دولة واحدة، لكن الأحداث الميدانية تقول إن الانتماء الأولي المناطقي والعشائري دائمًا يكون على حساب الانتماء الوطني.
ويصبح المكان في هذه الحالة أكثر من مجرد عنوان جغرافي، فقد يتحول اسم المدينة أو المحافظة أو العشيرة إلى علامة اجتماعية يحملها الفرد قبل أن يتحدث عن نفسه، وعندما ترتبط هذه العلامة بتجربة سابقة من العنف أو الخوف أو التهجير، قد يصبح التعارف نفسه عملية تصنيف مسبق:
من أين أنت؟ ومن أي جماعة أو عشيرة؟ وهنا يبدأ الآخر في الظهور من خلال صورة جماعية، وليس من خلال صفاته الفردية.
وتساعد هذه العملية على فهم لماذا يمكن لخلاف بسيط أن يتسع بسرعة في بعض البيئات المختلطة، فالحادثة الفردية قد تحمل، بعد إعادة تفسيرها، معاني تتجاوز أطرافها المباشرة، وقد تدخل الذاكرة السابقة، والشائعات، والخوف، وانتشار السلاح، وضعف آليات المؤسسات الرسمية، في إعادة إنتاج الحدث بوصفه قضية جماعية، وفي مثل هذه الحالات لا يعود السؤال متعلقًا بمن بدأ الخلاف فقط، بل بمن يمكن الوثوق به، ومن يستطيع حماية الجماعة، ومن يضمن حقوقها.
ولا ينبغي هنا افتراض أن المجتمع السوري يعيش هذه العملية بصورة واحدة، فالتجارب تختلف بين المدن والمناطق والجماعات، كما تختلف داخل الجماعة نفسها، وقد يكون الشخص الذي يُنسب إلى جماعة مناطقية أو عشائرية معينة أقل اهتمامًا بهذا الانتماء من اهتمامه بعمله أو أسرته أو علاقاته الاجتماعية، ولذلك فإن التعامل مع المناطقية والعشائرية ككتل متجانسة يمكن أن يؤدي إلى إعادة إنتاج الصورة النمطية المتداولة عن هذه الجماعة أو تلك.
ويأخذ مفهوم العنف الرمزي أهمية في هذا السياق، لأنه يسمح بالنظر إلى اللغة والتصنيف والوصم بوصفها عناصر يمكن أن تسبق العنف المادي أو ترافقه، فعندما تستخدم أوصاف جماعية سلبية، أو يجري تعميم فعل فرد على جماعة أو عشيرة كاملة، تنتقل الخصومة من مستوى السلوك إلى مستوى الهوية، وعند هذه النقطة يصبح من الصعب محاسبة الفاعل بوصفه فردًا، لأن الجماعة كلها تدخل في دائرة الاتهام.
ولهذا فإن أحد أهم شروط الحد من العنف المناطقي والعشائري هو إعادة الفرد إلى موقعه بوصفه فردًا ومسؤولًا عن أفعاله الشخصية، فإذا ارتكب شخص جريمة، ينبغي أن تكون المسؤولية فردية، وإذا نشأ خلاف بين أفراد، ينبغي ألا يتحول تلقائيًا إلى خصومة بين مناطق أو عشائر، وهذه القاعدة ليست مسألة قانونية فحسب، وإنما هي أيضًا قاعدة اجتماعية ضرورية لحماية الروابط المشتركة بين السوريين.
إن إعادة بناء العلاقة بين “الأنا” و”الآخر” في سوريا لا تمر عبر مطالبة الناس بالتخلي عن مناطقهم أو عشائرهم، وإنما عبر بناء مساحة أوسع، تستطيع هذه الانتماءات أن تتحرك داخلها من دون أن تتحول إلى حدود مغلقة
ومن هذه الزاوية، تبدو الدولة ومؤسساتها مهمة، ليس لأنها تستطيع إنهاء الانتماءات المحلية، وإنما لأنها تستطيع توفير إطار يجعل اللجوء إليها أكثر فاعلية من اللجوء إلى الجماعة، فكلما استطاع المواطن الوصول إلى الشرطة والقضاء والخدمات بصورة متساوية، قلّتِ الحاجة إلى تحويل القرابة أو المنطقة أو العشيرة إلى مصدر للحماية السياسية والأمنية.
لكن بناء هذا الإطار لا يعني إلغاء الدور الاجتماعي للعشائر أو الروابط المحلية، فالوجهاء، ولجان الصلح المحلية، والشبكات الاجتماعية يمكن أن تؤدي أدوارًا مهمة في تخفيف التوتر، غير أن هذا الدور يحتاج إلى أن يعمل بالتكامل مع القانون، لا بوصفه بديلًا عنه.
ومن هنا فإن إعادة بناء العلاقة بين “الأنا” و”الآخر” في سوريا لا تمر عبر مطالبة الناس بالتخلي عن مناطقهم أو عشائرهم، وإنما عبر بناء مساحة أوسع، تستطيع هذه الانتماءات أن تتحرك داخلها دون أن تتحول إلى حدود مغلقة، فالمواطن يمكن أن يحتفظ بذاكرته المحلية وبانتمائه العشائري، وفي الوقت نفسه أن يرى في الآخر شريكًا في المجال الوطني، لا خصمًا بالضرورة.
إن الدرس الأهم الذي تتيحه مثل هذه الحوادث هو أن العنف قد يبدأ عندما تتوقف الحدود بين الأفراد وتبدأ الحدود بين الجماعات، وحين تنتقل مسؤولية الفرد إلى جماعته، يصبح الخلاف أكثر قابلية للانتشار، ويصبح التصنيف جزءًا من الصراع، لذلك فإن مواجهة العنف ليست فقط في منع إطلاق النار أو فض الاشتباك، وإنما في منع تحول الحادثة الفردية إلى هوية جماعية متصارعة.
- تلفزيون سوريا










