بعد أقلّ من خمسة أيّام من وقوف وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس على جبل الشيخ، على مسافة نحو 35 كيلومتراً من القصر الرئاسيّ في دمشق موجّهاً رسالة إلى أحمد الشرع يبلغه فيها أنّه عندما يستيقظ صباحاً في مقرّن الرئاسي وينظر نحو جبل الشيخ ويرى الجيش الإسرائيليّ وهو يدرك بالطبع أنّ إسرائيل موجودة هناك… ظهر الرئيس السوري في درعا ليؤكد عدم التخلّي عن الجنوب.
حملت زيارة الشرع المفاجئة طابعاً اجتماعيّاً، إذ التقى محافظ درعا أنور طه الزعبي وعدداً من الأهالي، وزار، بحسب المعلومات، منزل عائلته لجهة والدته في حيّ البدو. وأظهرت المقاطع المتداولة تجمّع مواطنين حوله لالتقاط الصور، فيما استمع إلى مطالب عدد منهم. إلّا أنّ هذا الطابع لم يلغِ دلالات الزيارة السياسيّة، وخصوصاً أنّها حصلت فيما تواصل القوّات الإسرائيليّة تحرّكاتها جنوباً، بالتوازي مع مفاوضات ترعاها الولايات المتّحدة للتوافق على الترتيبات الأمنيّة المقبلة.
بحسب مصدر تحدّث إلى “أساس”، لم يكن اختيار التوقيت عفويّاً، بل أراد الشرع توجيه رسالة سياسيّة تتّصل بما يجري في الجنوب، من دون تحويلها إلى استعراض عسكريّ أو مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
ماذا أراد الشّرع أن يقول؟
يمكن قراءة ظهور الشرع في درعا، وفق المصادر، على مستويين:

1- إسرائيليّ: فيما تفاوض إسرائيل على حجم وطبيعة الحضور العسكريّ السوريّ في الجنوب، اختارت دمشق إظهار حضور الدولة من خلال وجود رئيس الجمهوريّة نفسه في المحافظة وبين أهلها، من دون إعطاء الزيارة طابعاً عسكريّاً.
لا تنبع أهميّة درعا فقط من كونها المحافظة التي انطلقت منها شرارة الثورة السوريّة عام 2011، بل من موقعها في الخريطة الجديدة للجنوب السوريّ
2- سوريّ: لا يواجه الجنوب الوجود الإسرائيليّ فقط. لا يزال ملفّ السويداء مفتوحاً، والخلاف مستمرّ على عودة مؤسّسات الدولة ودور القوى المحليّة والترتيبات الأمنيّة والإداريّة في المحافظة. لذلك يحمل وجود الشرع في درعا رسالة داخليّة أيضاً مفادها أنّ دمشق تريد تثبيت حضورها جنوباً فيما لا تزال حدود سلطتها موضع تفاوض في مناطق أخرى منه.
لماذا درعا؟
لا تنبع أهميّة درعا فقط من كونها المحافظة التي انطلقت منها شرارة الثورة السوريّة عام 2011، بل من موقعها في الخريطة الجديدة للجنوب السوريّ، حيث تقع بين ثلاثة مشاهد:
غرباً: الجولان والقنيطرة، حيث وسّعت إسرائيل وجودها العسكريّ داخل الأراضي السوريّة بعد سقوط نظام بشّار الأسد، وتحاول تثبيت معادلة أمنيّة جديدة في الجنوب.
شرقاً: السويداء، حيث لا تزال العلاقة بين دمشق والقوى المحليّة، وفي مقدَّمها القوى المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري، إحدى أبرز عقد استعادة سلطة الدولة.
في الوسط: درعا، حيث تستطيع دمشق إظهار حضور سياسيّ وإداريّ مباشر للدولة يمنح زيارة الشرع دلالة تتجاوز بعدها الاجتماعي والإداري.
يكتسب هذا الموقع أهميّة أكبر لأنّ النشاط الإسرائيليّ لم يعُد مقتصراً على جبل الشيخ أو المواقع المحاذية للجولان. فقد تحرّكت القوّات الإسرائيليّة أخيراً في ريف درعا الغربيّ وحوض اليرموك، وأقامت حواجز ونفّذت عمليّات تفتيش، بالتوازي مع تحرّكاتها في ريف القنيطرة. وتحدّثت تقارير إسرائيليّة عن وجود الجيش الإسرائيليّ في تسعة مواقع داخل الأراضي السوريّة، وهو ما يجعل هذا الوجود جزءاً من حسابات أيّ ترتيب أمنيّ جديد.
ماذا تريد إسرائيل من الجنوب؟
لم يعد الخلاف بين دمشق وتل أبيب محصوراً بوقف الغارات أو التوغّلات، بل بات يدور حول شكل الجنوب نفسه. ويمكن اختصار ما يجري التفاوض عليه، وفق المصادر نفسها، بثلاث نقاط:
يحمل وجود الشرع في درعا رسالة داخليّة أيضاً مفادها أنّ دمشق تريد تثبيت حضورها جنوباً
1- الانسحاب: تتمسّك دمشق بانسحاب إسرائيل من المواقع التي سيطرت عليها بعد 8 كانون الأوّل 2024 وبالعودة إلى اتّفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، فيما تربط إسرائيل أيّ انسحاب بضمانات أمنيّة جديدة.
2- انتشار الجيش السوريّ: تريد إسرائيل قيوداً تتعلّق بحجم القوّات السوريّة التي يمكن نشرها جنوباً وطبيعة تسليحها، ومنع وجود قوى تعتبرها تهديداً قرب الجولان. في المقابل، ترفض دمشق منح إسرائيل حقّاً دائماً في تحديد كيفيّة انتشار جيشها داخل أراضيها.
3- شكل المنطقة الأمنيّة: بحسب معلومات مصدر “أساس”، يجري البحث في تصوّرات لمناطق تختلف فيها مستويات الانتشار العسكريّ، إلى جانب آليّات تنسيق ومراقبة برعاية أميركيّة لمنع الاحتكاك.
لكنّ المطالب الإسرائيليّة لا تقف عند حدود الجنوب. بحسب معلومات “أساس”، تريد تل أبيب ضمانات تحدّ من أيّ تمركز عسكريّ تركيّ أو بناء قدرات سوريّة بدعم تركيّ تعتبرها تهديداً لأمنها، من دون أن تتضمّن الترتيبات الأمنيّة المطروحة “فيتو” إسرائيليّاً موثّقاً يمنح تل أبيب حقّ الاعتراض على التعاون العسكريّ بين دمشق وأنقرة.
تدخل إسرائيل المفاوضات وهي تحتفظ بالأرض وبوجودها العسكريّ، فيما تحاول دمشق جعل الانسحاب نتيجة للاتّفاق. يضيف المصدر أنّ الاتّفاق المنتظَر لا يُنظر إليه في المرحلة الحاليّة بوصفه تسوية نهائيّة، بل صيغة تنظّم الواقع الإسرائيليّ الجديد داخل سوريا إلى حين اتّضاح نتائج الانتخابات الإسرائيليّة والأميركيّة وما قد يترتّب عليها من معادلات سياسيّة جديدة.
بحسب مصدر تحدّث إلى “أساس”، لم يكن اختيار التوقيت عفويّاً، بل أراد الشرع توجيه رسالة سياسيّة تتّصل بما يجري في الجنوب
هنا يقع جوهر الخلاف: إسرائيل تريد تثبيت قواعد أمنيّة قبل أيّ انسحاب، فيما تريد دمشق إبقاء الضمانات تحت سقف سيادة الدولة وألّا تتحوّل إلى اعتراف بمنطقة نفوذ إسرائيليّة داخل سوريا.
تنسجم هذه المقاربة مع طريقة تعامل دمشق مع التفوّق العسكريّ الإسرائيليّ، إذ لا تبدو راغبة في مواجهة مباشرة فيما لا يزال الجيش قيد إعادة البناء، فتجمع بين التفاوض لوقف التوغّلات والضربات وبين تثبيت حضور الدولة السياسيّ والإداريّ. من هنا يصبح غياب الزيّ العسكريّ أو الثكنات عن الزيارة جزءاً من الرسالة: إثبات الحضور من دون تحويله إلى مواجهة.
في المحصّلة، لم يردّ الشرع على كاتس بخطاب أو باستعراض عسكريّ، بل اختار أن يظهر في درعا فيما يُعاد رسم المشهد الأمنيّ في الجنوب. في هذا الحضور رسالةٌ أرادت دمشق إيصالها: يمكن التفاوض على الترتيبات الأمنيّة لا سيادتها في الجنوب.
- أساس ميديا










