اختارت إسرائيل واليونان، اليوم نفسه الذي عُقد فيه أول اجتماع لـ»اللجنة الدفاعية الاستراتيجية» لدول «حلف مكة»، لإعلان ما سمّتاه مشروع «درع آخيل»، وبذلك أعلنت تل أبيب وأثينا، بشكل صريح ومدو، عن مشروع مضاد لحلف الرياض وإسلام أباد وأنقرة.
يعيد المشروع ذو الاسم التاريخي أصداء حرب طروادة، التي جرت على أرض تركيا الحالية، والتي يُعرض حاليا فيلم أمريكي عن أحداثها التي تجمع بين وقائع تاريخية محتملة جرت قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، وأساطير يونانية، وهو ما يذكّر طبعا بما يسميه المؤرخ الإسرائيلي «اختراع الشعب اليهودي»، الذي أدى إلى وقائع كارثية للفلسطينيين، وللعرب، وكذلك للترك.
جمع إنشاء إسرائيل في أبعاده العسكرية والسياسية عناصر سقوط العرب تحت الاستعمار الغربي، وسقوط السلطنة العثمانية، التي شهدت في عام 1919 هجوما يونانيا مدعوما من فرنسا وبريطانيا وصل إلى العاصمة الحالية أنقرة، لكنه انهزم وخرج عام 1921، في محاولة فاشلة لاستعادة طروادة المتخيلة، أو الإمبراطورية البيزنطية التي سقطت عام 1453، أو الرد على احتلال تركيّ لأراضي اليونان دام قرابة 400 عام.
يقوم «درع آخيل»، بصورة واسعة على علاقة تبعية يونانية للتكنولوجيا الإسرائيلية، تتحول عبرها إلى جناح غربي لصد حرب إسرائيلية متخيلة مع دول «حلف مكة». هناك جانب ماليّ مجز لإسرائيل أيضا حيث تقدم تل أبيب التكنولوجيا لإنشاء شبكة دفاعية متعددة الطبقات لمواجهة الصواريخ الباليستية والطائرات والمسيّرات والتهديدات البحرية في صفقة تقدر بمليارات الدولارات.
يعرض الحدث الأخير معالم خريطة أمنية جديدة للمنطقة: تركيا، بقوتها العسكرية وصناعتها الدفاعية المتقدمة، والسعودية بثقلها العربي والاقتصادي، وباكستان ذات القدرات النووية، من جهة، وإسرائيل، المتوثبة لإكمال التطهير العرقي لفلسطين، واقتطاع أراض عربية في سوريا ولبنان، واليونان وقبرص المسكونتان بأشباح الماضي «العثماني»، من جهة أخرى، مما يعطي أبعادا عسكرية وسياسية ودينية لدول أخرى للانضمام مستقبلا إلى أحد المسارين.
لكن المشكلة الراهنة لا تتعلّق بالتواريخ الحقيقية والمزعومة، بل بقضية انفلات القوة في منطقة أفقدتها إسرائيل كل ضوابط القوانين الدولية والأممية والأعراف البشرية.
بعد حدث 7 تشرين أول / أكتوبر واندلاع حرب الإبادة في غزة، نقلت تل أبيب عملياتها العسكرية إلى لبنان وسوريا واليمن والضفة الغربية، ثم جاءت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية لتنقل الحرب إلى دول الخليج العربي. في الاتجاه الآخر، مارست إيران، مباشرة أو عبر حكومات وميليشيات موالية لها، سياسات تدخل عميقة في عدد من الدول العربية، وصولا إلى هجمات مست الأراضي والمصالح الخليجية بشكل مباشر.
جاء «اتفاق مكة» للتعبير عن حق دول المنطقة، وعلى رأسها الدول العربية، في الدفاع عن سياداتها ومصالحها ولمنع الاعتداء عليها، ولتحقيق توازن مقبول للحد من اعتقاد إسرائيل بأن التفوق العسكري يمنح صاحبه حرية التصرف بلا سقف سياسي أو قانوني.
يمكن طبعا فهم الهواجس اليونانية لكنّ التقاءها مع قوة الإبادة والتطهير العرقي الإسرائيلي يجعل سكان المنطقة بدورهم يتوجّسون من «درع آخيل» ويعتبرونه محاولة إسرائيلية لحرمان دول المنطقة من الدفاع عن نفسها.
ما تحتاجه المنطقة حاليا هو معالجة الجذور الحقيقية للأزمات. استقرار المنطقة من الخليج إلى البحر المتوسط يقوم على وقف التوحش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين والعرب، وقيام أمن عربي يمنع التدخّلات في المنطقة، من أي مكان جاءت، ويوقف تهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر. الدروع قد تمنع صاروخا، لكنها لا تستطيع حماية منطقة كاملة من تاريخ يعاد تدوير أسوأ ما فيه كلما فشلت السياسة.
- القدس العربي














