ما زلت غير قادر على فهم ذلك المشهد الذي يتكرر حدوثه في بلداننا العربية كل أربع سنوات، فما أن يقترب موعد كأس العالم لكرة القدم ، حتى نُشاهد أعلام عدد من الدول الأجنبية ترفرف على شرفات المنازل وتتزين بها المقاهي والمطاعم والمتاجر التي ينتظر أصحابها هذه المناسبة من أجل تعبئة جيوبهم، كما أن السيارات والدراجات تتزين هي الأخرى بأعلام الدول المشاركة في كأس العالم لاسيما أعلام البرازيل وإيطاليا والأرجنتين واسبانيا وألمانيا وفرنسا.. ولا يقف الأمر عند رفع تلك الأعلام، فما أن تبدأ البطولة حتى ينقسم المشجعون فيما بينهم، فمنهم من يفرح ويرقص لانتصار البرازيل، ومنهم من يفرح لانتصار إيطاليا، أو ألمانيا أو فرنسا أو الأرجنتين. وبالمقابل نجد من يحزن على خسارة الفريق الذي يشجعه.
ولم يقف الأمر عند الاحتفاء بانتصارات الآخرين في مجال كرة القدم وحسب، بل إن هذا الأمر ترافق اليوم مع مشهد أخر مماثل ولكن في مجال السياسية يتعلق تحديداً بصراعنا مع العدو الصهيوني الذي مازال يعتاش على تخلفنا وانقساماتنا ويمعن في محاصرة وتجويع أشقائنا في فلسطين لاسيما في قطاع غزة المحاصر منذ ثلاث سنوات. أنه مشهد قافلة الحرية الذي دعمته تركيا وانطلق من سواحلها حاملاً المؤن والأدوية باتجاه غزة المحاصرة في محاولة لفك الحصار الذي فرضه الكيان الصهيوني بمساعدة من بعض الدول العربية، وما تعرضت له قافلة الحرية من مجزرة حقيقية على يد قوات الاحتلال الصهيوني واعتقال وترهيب الناشطين الذين شاركوا في هذه الرحلة، التي وضعت قادة الكيان الصهيوني في مأزق حرج جداً، خاصة بعد أن صدرت دعوات عديدة في كثير من دول العالم ولاسيما من الدول الغربية وروسيا والصين تدعو إسرائيل إلى فك حصارها عن غزة فوراً، وما تبعه بعد ذلك من قرار مصر بفتح معبر رفح لأجل غير مسمى.. والفرح العارم الذي عم البلدان العربية بهذا الانتصار الذي حققته قافلة الحرية، حيث رُفعت صور أردوغان، ولافتات تشيد بتركيا وموقفها من إسرائيل، حتى وصل الأمر بالبعض إلى الهتاف " بالدم بالروح نفديك يا أردوغان".
والكل في بلاد العرب بلا أي استثناء احتفل واحتفى وهلل لما فعله الناشطون الأبطال الذين كانوا على سفن أسطول الحرية، ودمعت عيون الكثير منهم لموت وجرح بعض الناشطين، وراح البعض منهم يروي بفخر ما فعله هؤلاء الناشطين، وعبر عن سروره وسعادته بهذا الانجاز الذي حققه الآخرون، وبنفس الوقت صب جام غضبه على الأنظمة العربية وحكامها ناسيا أو متناسياً أنه لم يكن جزءاً من هذا الانتصار الذي حققته قافلة الحرية.
فلا بأس إذاً من أن نخلع ذواتنا ونلبسها للآخرين الذين انتصروا عنّا لقضايانا وفعلوا ما لم نستطع فعله، فأصبحت بطولاتُُهم وانتصاراتهم وحتى انكساراتهم جزءاً من أفعالنا ومشاعرنا المكبوته، تماماً كما كان يحصل وما سيحصل مجدداً بعد أيام مع انطلاقة بطولة كأس العالم لكرة القدم، حين يتكرر من جديد مشهد حزن البعض لخسارة فريقهم وعودتهم منكسرين إلى بيوتهم، ومشهد فرح البعض الأخر لفوز الفريق الذي يشجعونه، وعودتهم إلى بيوتهم محملين بوهم الفرح والسرور بالانجاز الذي حققه فريقهم عندما هزم الفريق المنافس، دون أن يدري هذا البعض أنه فرحه وسروره جاء نتيجة لنجاحات الآخرين وانتصاراتهم، وليس لنجاحاته.
ومع عميق احترامي لما فعله ناشطي قافلة الحرية، ومع تقديري الكبير لما قام به أردوغان تجاه القضية الفلسطينية بدءاً من مؤتمر "دافوس" وحتى دعم "قافلة الحرية" فإنه يبقى دوراً محكوماً بمصالح تركيا و حاجة حزب العدالة والتنمية الحاكم لكسب المعركة الداخلية التي يخوضها بمواجهة خصومه لاسيما العسكر منهم هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن تركيا تسعى إلى استغلال الغضب الغربي على إيران، وكذلك الموقف العربي المتفكك والضعيف للقول بأنها وحدها تملك القوة المؤهلة للعب دور القائد والموجه في منطقة الشرق الأوسط.
أخيراً، أكرر شكري وامتناني لما فعلته تركيا ولما فعله هؤلاء الناشطين وعرضوا أنفسهم للخطر، مع تأكيدي على أن الانتصار الحقيقي على العدو الصهيوني سيأتي عن طريق المصالحة الوطنية الفلسطينية، وإنهاء حالة الانقسام والتشرذم بين الفلسطينيين، ووقف التدخلات العربية والإقليمية في الشؤون الفلسطينية وتفعيل التضامن والعمل العربي المشترك، عندها فقط نستطيع كسر الحصار بأيدينا لا بأيدي غيرنا، ونحتفي بانتصاراتنا لا بانتصارات الآخرين..




















