قبل أيام من الذكرى الرابعة لحرب تموز 2006 يبدو الوضع في لبنان، وخصوصاً في جنوبه، شديد الخطورة، أساساً بسبب تهديدات اسرائيل واستعدادات جيشها المكثفة وما تسربه صحافتها عن خطط «لقطع اذرع ايران» طالما ان توجيه ضربة الى «الرأس» ممنوع بقرار اميركي، لكن أيضاً بسبب نجاح «حزب الله» في افراغ القرار 1701 من مضمونه وتمكنه من تطوير ترسانته وقواته الى مستوى افضل مما كانت عليه قبل الحرب الاخيرة، وهو أمر يجاهر به قادة الحزب انفسهم ولو انهم لا يصلون الى حد القول بأن هذه التعبئة تشمل المنطقة جنوب نهر الليطاني التي يفترض ان تكون منزوعة السلاح وتحت إشراف القوات الدولية والجيش اللبناني.
لكن ما يؤكد التكهنات بأن هذه المنطقة عادت في شكل متدرج منطقة عمليات رئيسة للحزب، مع ما يتطلبه ذلك من حرية في الحركة لعناصره، سلسلة المناوشات الأخيرة بين القوات الدولية و «الأهالي» تحت ذريعة ان «يونيفيل» لا تنسق تحركاتها مع الجيش اللبناني او «تجتهد» في تفسير القرار 1701، او انها تسعى الى «تعديل قواعد الاشتباك». وهذه الاتهامات التي سيقت ضد القوة الدولية صدرت عن جهات سياسية وإعلامية من «حزب الله» او قريبة منه، فيما لم يتبنّ الجيش اللبناني رسمياً أياً منها. علماً ان مستوى التنسيق بين «يونيفيل» والجيش لم يطرأ عليه اي تغيير منذ انتشار القوة الدولية، وأن هناك تبادلاً يومياً مسبقاً بين الطرفين لجدول نشاط كل منهما في منطقة العمليات والدوريات التي ينوي تسييرها وما اذا كانت تتطلب مواكبة من الجانب الآخر. ثم انه لم يسبق للجيش اللبناني منذ اربع سنوات ان اشتكى ولو لمرة واحدة من مستوى تنسيق القوات الدولية معه.
ولا بد هنا من التساؤل عن سر قدرة «الأهالي» على معرفة ما اذا كان وصول دورية للقوات الدولية الى قريتهم قد تم بالتنسيق مع الجيش او من دونه؟ كما يستتبع ذلك سؤالاً آخر عن التمييز الذي يتبعه «الأهالي» في التعامل مع وحدات القوات الدولية، اذ يتعرض الأوروبيون وحدهم لـ «الغضب الشعبي» بينما لم نسمع مثلاً ان دورية للقوات الغانية رُشقت بالحجارة او ان «مدنيين» صادروا آلات التصوير الشخصية من جنود الكتيبة الهندية بعدما التقطوا صوراً لوديان غير مأهولة. فهل لهذا علاقة ما بتوجيهات خارجية ينفذها «حزب الله» في ضوء التوتر المتصاعد في العلاقات بين ايران والغرب بسبب العقوبات؟
قد يعتقد البعض في طهران، بعد اقرار العقوبات الدولية الجديدة واتباعها بعقوبات اميركية وأخرى اوروبية أشد، انه لا بد من فتح ثغرة في مكان ما تخفف الضغط عن كاهلها، وليس هناك أفضل من جنوب لبنان، حيث يمتلك «حزب الله»، الذي يعتبر نفسه «مكلفاً شرعاً» باستجابة طلبات القيادة الايرانية، القدرة والإمكانات التي تخوله مشاغلة الاميركيين والغرب في شكل غير مباشر.
وما يشهده جنوب لبنان حالياً من إشكالات مع «يونيفيل» يدخل في اطار الانتقال المبرمج الى المرحلة الجديدة التي تتطلب «ترويض» القوات الدولية وإفهامها بأن رغبتها في تنفيذ مهمتها القاضية بمنع الحزب من تخزين السلاح ونشر المقاتلين في منطقة جنوب الليطاني تعني مواجهة مع «الأهالي» لا يعرف أحد كيف ستتطور، مع ما يشمله ذلك من احتمال ان تسحب دول مشاركة في القوات الدولية وحداتها اذا رأت انه يصعب عليها قبول الامر الواقع.
وعملياً، أدت حوادث اعتراض دوريات القوة الدولية غرضها، إذ شارك ممثلون عن الحزب في اجتماع رسمي بين «يونيفيل» والجيش للبحث في المناوشات وسبل وقفها، في سابقة سيصعب كثيراً على القوات الدولية منع تكرارها. ويعني هذا ان الحزب صار المرجع الذي ستعود اليه هذه القوات كلما صادفتها صعوبات عملانية، على رغم ان القرار 1701 لا يعترف بأي جهة اخرى غير الحكومة اللبنانية يحق لها بسط نفوذها عبر قواتها المسلحة في المنطقة الحدودية.
وأكثر من ذلك، فإن «حزب الله» نجح في تغيير وظيفة القرار الدولي الذي يكلف القوات الدولية مساعدة الجيش اللبناني على بسط نفوذ الدولة، فصارت هي بحاجة الى حماية الجيش من «الاهالي».
"الحياة"




















