أثار رحيل المرجع الدينيّ الشيعيّ السيّد محمّد حسين فضل الله حزناً واسعاً، في لبنان وفي العالمين العربيّ والإسلاميّ. الذين عرفوه وأعداد من الذين لم يعرفوه تشاركوا في التعبير عن الأسى الذي أحسّوه بفقد المرجع الكبير.
لكنّ الأكثر إلفاتاً في المناسبة المحزنة كان التركيز على الطبيعة التجديديّة والعادلة حيال المرأة في فتاوى فضل الله وآرائه. وما يزيد الاستغراب حقّاً صدور هذا التركيز عن بيئات وأصوات مؤمنة: فإذا كان مفهوماً أن يركّز المؤمنون على الإيمانيّ في فكر الراحل، بدا غير مفهوم بالقدر نفسه تركيزهم على التجديد الإيمانيّ، أي التغيير الإيمانيّ، في الفكر المذكور وفي مواقف صاحبه.
في هذا المعنى يمكن القول إنّ احتفال البيئات المؤمنة بالتجديد الدينيّ حجّة أخرى للقائلين إنّ الإيمان في شكله الراهن لا يعدو كونه استجابة للحداثة: استجابة مداورة وإنكاريّة أو سجاليّة في الغالب، إلاّ أنّها، مع هذا، استجابة…
ومعروف أنّ السيّد فضل الله، مثله مثل رفيقه العراقيّ المبكر السيّد محمّد باقر الصدر، كان مأخوذاً بمساجلة الأفكار الحديثة وبالردّ عليها. وبغضّ النظر عن الوجهة التي تتّخذها هذه النزعة السجاليّة، يبقى الأمر مفيداً ونافعاً، وأفضل بلا قياس من التقوقع في شرنقة النصّ الأصليّ الذي يصدر عنه رجال الدين التقليديّون.
والحال أنّ السمة الإيجابيّة هذه تطرح أفضل ما لديها في المجتمعات التي يحكمها النصّ الدينيّ المعطى، فتندرج، إذّاك، في إصلاحيّة دينيّة تستدعيها معاصرة العصر.
لكنْ في الحالة اللبنانيّة، تتجسّد المفارقة الملحّة في أنّ اللبنانيّين، لا سيّما الشيعة منهم، كانوا يقطعون أشواطاً بعيدة في اتّجاه الحداثة. وهم كانوا يفعلون هذا من دون الحاجة إلى فتوى تجوّز لهم ذلك. يكفي للتيقّن ممّا نزعم الرجوع إلى التيّارات السياسيّة والفكريّة التي سادت الشيعة اللبنانيّين قبل حرب 1975، أو الرجوع إلى حركة التخلّي المتعاظم عن مظاهر التقليد لمصلحة المظهر والسلوك الحديثين، أو إلى الإسهام المتنامي في الثقافة الحديثة على اختلاف تعبيراتها ومستوياتها.
وهذا ما يسمح بالقول إنّ الحرب كانت وراء الانتكاسة الضخمة التي ألّمت بالشيعة وبغيرهم من اللبنانيّين، خصوصاً بما أحدثته من تديين وتطييف ومن بعث للهويّات الصغرى على حساب الهويّة الوطنيّة الجامعة. هكذا بات من المطلوب إطالة الطريق للوصول إلى أقرب مكان ممكن ممّا كنّا فيه قبل الحرب!.
وهي رجعة تستحقّ التأمّل والمراجعة مرّة بعد مرّة، رجعةٌ انتهينا بنتيجتها إلى اعتبار رجل الدين، لا رجل الفيزياء والكيمياء، هو «العالِم»، كما باتت الأمور، من أبسطها إلى أعقدها، تستدعي الفتوى للتعامل معها أكثر بكثير ممّا تستدعي التفكير الحرّ. وهو ما تواكبه رجعة مكمّلة ترفع الجماعة الأهليّة إلى سويّة دولة يحقّ لها أن تشاطر الدولة امتلاك أدوات العنف وأن تبزّها فيه.
وفي وضع كمثل هذا، يكتسب السيّد فضل الله وإفتاؤه المتقدّم أهميّتهما. إلاّ أنّ اللبنانيّين لو أمكنهم أن يتفادوا حربهم المتّصلة، والأفكار التي انبعثت من ركامها، لكانوا استطاعوا إراحته ممّا اضطرّ إلى الانكباب عليه وإجهاد النفس فيه.
"الحياة"




















