يكثر الحديث السياسي، والإعلامي المتلقط له، في الديار العربية هذه الأيام، عن فقدان إسرائيل شرعيتها، كدولة ونظام سياسي، بالنظر للممارسات العنفية واللاإنسانية التي تقوم بها تجاه الفلسطينيين، سواء أولئك الذين تضرب عليهم الحصار في غزة، أو الذين تحتجزهم في الضفة الغربية، وحتى تجاه من يسمون (عرب الخط الأخضر) .
ويعتبر الحديث السياسي العربي هذا الأمر بمثابة معجزة اجترحها الفكر السياسي العربي (الحديث)، المتفاعل مع المتغيرات العالمية التي أحدثها عصر العولمة، والتي تعطي للرأي العام أهمية مميزة في توجيه سياسات الدول، وبخاصة الكبرى منها. وبالتالي فإن إبراز الصورة اللاإنسانية والمتوحشة لإسرائيل، عبر تظهير صورة عذابات الفلسطينيين، أو إدارة الخد للصفعات والإهانات الإسرائيلية المتكررة، هو اكتشاف واستثمار يتوجب تزخيمه ليتحقق النصر الناجز، الذي لن يتم تسطيره، بالطبع في ساحات المعركة، وإنما في ذهنية ووجدان المواطنيين الغربيين!..
لا شك أن هذا الإدراك العربي المتأخر لأهمية الرأي العام الغربي، يشبه تصابي العجوز في مجلس الصبايا، أو يماثل حالة الريفي الذي جاء من الحقل إلى صالونات المدينة ليعطي دروساً في الإتيكيت. فالاثنان، العجوز وريفي الحقل، يدخلان أنفسهما في سياق يبدوان محرجين فيه مقدماً، ليس بسبب عدم أهليتهما وحسب، ولكن بالنظر لكون هذا المجال هو شغلة الآخرين (الصبايا والمدينيين) .
والحال، أن إسرائيل التي ينظر لها العالم الغربي كتجسيد لمعجزة شعب استطاع أن يوجد كياناً ودولةً ومؤسسات، رغم الظروف التي واجهها، من المحرقة إلى العرب الذين أرادوا رميهم في البحر، هذه الإسرائيل في رأي ذلك الغرب، هي دولة لأشخاص "يحبون الحياة، ويحبون شرب القهوة صباحاً على شرفات منازلهم في سيديروت، وحرمتهم من ذلك صواريخ القسام، ويريدون لأولادهم في أسدود أن يذهبوا للحدائق، ولا يستطيعون بفعل الصواريخ السابقة الذكر" (مقتطفات من خطاب لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت واضح مدى محاكاته للذهنية الغربية) .
كما أن هذه الإسرائيل، في نظر الرأي العام الغربي، دولة ناجحة بكل المقاييس، استطاعت أن تحقق إنجازات مهمة عبر جوائز نوبل، ومن خلال الاكتشافات العلمية، ولديها عدد ضخم جداً من الشركات المسجلة في ناسداك، ومن خلال مستوى معيشة مواطنيها، ونشاطهم الاقتصادي والثقافي، وهذه كلها معطيات إنحفرت في ذهنية ووجدان الرأي العام الغربي. والأهم من كل ما سبق، أن ذلك الغرب يجد في الإسرائيليين تقارباً وانسجاماً فكرياً وحضارياً، وحتى بيولوجياً، لا يجده في سواهم من شعوب الشرق الأوسط.
وبالطبع، فإن إسرائيل، التي نحاول انتزاعها من الوجدان الغربي، وتشويه صورتها عبر خربشات تحمل تواقيع مؤلمة على أجسادنا وفي أرواحنا، ليس مستحيلاً تغيير صورتها، أو إسقاط شرعيتها، لكن ذلك لا يتأتى بالأعمال السهلة، إنما يتطلب تغييراً جذرياً في ممارساتنا وأفعالنا تجاه شعوبنا وثرواتنا ومستقبلنا، تلك القيم التي طالما قمنا بتقديمها بشكل مشوه ومحتقر للرأي العام الغربي .
ثم كيف لنا أن نقبل بالمعايير الغربية، القائمة على الرأي العام والديموقراطية لمحاكمة إسرائيل، والتي طالما اعتبرناها معايير مشوهة وغير صالحة للتعامل، وكم مرة رفضناها حينما تعلق الأمر بالمطالبة باحترام حقوق الإنسان في العالم العربي وتطبيق الديموقراطية، ترى أي ازدواجية للمعايير هي هذه!؟.
المشكلة في الأصل، أننا في العالم العربي، لا نملك شرعية الأطراف التي يحق أن تكون لها قضايا ونطلب العدالة من الآخرين في شأنها، وقد سبق أن قبلنا بهذا الواقع، أو بالأحرى قبلته الأنظمة السياسية العربية في سبيل إدامة سيطرتها ونهبها لثروات شعوبها، معطوفاً على ذلك تخاذل الشعوب وتنازلها عن حقوقها الأصيلة.
يبدو أن العزف على وتر سقوط شرعية إسرائيل، هو فصل عربي من فصول اللف والدوران التي مُورست لتمييع الحقائق المتراكمة على سطح واقعنا العربي، والتي باتت بحاجة إلى مخارج واقعية وليس إلى حلول عبثية… سقطت شرعية إسرائيل، وكأن الأخيرة قطعة من أوروبا وليس من الشرق الأوسط الذي تقوم فيه السلطات والأنظمة على جبال من الكرامات المذبوحة والأرواح المزهوقة…؟
"المستقبل"




















