"في صباح الرابع عشر من تموز/ يوليو 1789 لم يكن بوسع أحد أن يتنبأ عمّا سوف يترتب على الهجوم على الباستيل"
جان تزيغلر/ سويسرا
وقّع الرئيس اوباما قبل أيام على القانون الذي أجازه أخيراً الكونغرس الأميركي، بعد مجلس النواب، وتضمن منظومة القواعد لإصلاح عمل الأسواق المالية.
وسبق ذلك ان قام وزير الخزانة الأميركي تيموس غايتنر أثناء اجتماعه في برلين مع وزير المالية الالمانية فولفانغ شويبله بمسح الطاولة من كافة المقترحات ذات الصلة والتي كانت موضع تداول في أوروبا. حدث ذلك عشية انعقاد مؤتمرَي تورنتو في كندا في نهاية يونيو 2010 لمجموعة الثمانية وثم لمجموعة العشرين، وهذا ما يفسر الإشارة في البيان الختامي في تورنتو إلى تأجيل البحث في المقترحات المطروحة لاصلاح عمل الأسواق المالية إلى المؤتمر القادم المنوي عقده في نوفمبر 2010 في كوريا الجنوبية.
فريق اوباما لم يكن على استعداد للارتباط بأي قرارات ذات صلة بإصلاح عمل المؤسسات المالية قبل انجازه قانون "دود فرانك بيل" لإصلاح الوول ستريت وحماية المستهلك في البلد الذي انطلقت منه الأزمة المالية العالمية عام 2007. وإذ يخلد هذا القانون رئيسي اللجنة المختصة لصياغة هذا القانون الديموقراطيين كريستوفر دود وبارني فرانك، فهو يضاف إلى سجل منجزات الحزب الديموقراطي الكبيرة (بعد قانون العناية الصحية) رغم تصويت 3 من اعضاء الكونغرس الجمهوريين إلى جانبه.
ورغم كل "التمييع" الذي لحق بهذا القانون في صيغته الأصلية، يبقى في الجوهر دليلاً على انعطاف تاريخي بما يمثله من عودة قوية لحضور الدولة في الرقابة على تنظيم عمل الأسواق المالية ودور البنوك بعد أن سادت هنا سياسة "كف يد الدولة" لمدة ثلاثين عاماً منذ أيام رونالد ريغان ووصلت إلى قمة تطرفها في عهد بوش الابن. وفي هذا التطور الجديد هناك من يريد أن يرى، وعن حق، عودة القرار إلى السلطة السياسية الحاكمة، وفي هذا يكمن الانجاز الكبير الذي حققه فريق اوباما ضد الليبرالية الجديدة واوليغارشية الرأسمال العالمي، وبهذا اعاد للولايات المتحدة دور الريادة في تحديد المسار العالمي على هذا الصعيد.
في أوروبا
تتعثر محاولات الاصلاح رغم مرور ثلاث سنوات على انفجار الأزمة المالية العالمية، ولم تتجاوز حدود التوافق على وضع سقف في نظام المكافآت لكبار المدراء والخبراء في البيوتات المالية، وعبّرت القوى المعارضة للعولمة المتوحشة عن تأييدها لما توافق عليه قادة المانيا وفرنسا وبريطانيا من ضرورة فرض ضريبة على البنوك وان اختلفوا في وجهة استعمالها، في حين تريد فرنسا وبريطانيا استيعابها في موازناتها، تتوجه لالمانيا لوضعها في صندوق خاص لمعالجة احتمالات تعرض أي من المصارف لأزمات لاحقة، وعبّر قادة حركة (ATTAC) عن حماسهم للاقتراح الالماني الفرنسي بفرض رسوم ضريبية على كل التحويلات المالية واعتبرت هذه الخطوة الأكثر تأثيراً لغلق أبواب كازينو المضاربات، بالاضافة إلى ان هكذا ضريبة توفر عائدات ضخمة لخزائن الدول الفارغة، وتساهم في خفض الدين العام فيها وتحرير اقتصادياتها من اوزارها الثقيلة على البرامج الاجتماعية.
الليبرالية الجديدة تقاوم
الحزب الديموقراطي الأميركي اضطر لسحب اقتراح فرض الضريبة على البنوك من مشروع قانون "دود فرانك بيل" ثمناً لموافقة ثلاث سنوات من الجمهوريين في الكونغرس عليه مما سمح بتأمين الأغلبية اللازمة لنجاحه أي 60 صوتاً، وتغدق أوساط الوول ستريت تبرعاتها على الجمهوريين دعماً لهم للانتخابات المقبلة في تشرين الثاني المقبل، في محاولة لتغيير موازين القوى.
وفي أوروبا وعلى وجه الخصوص في المانيا، يضغط اللوبي المالي بكامل قواه على الصعيد الاقتصادي والمالي وكذلك السياسي لعرقلة وتمييع التوجه لفرض الضرائب المشار إليهما، ولا يتورع عن محاولات تفتيت سلطة الحكومة المحافظة الليبرالية ابتزازاً لمنعها من تحقيق ما تراه ضرورياً من الاصلاحات في القطاع المالي لانقاذ مستقبل الاقتصاد الالماني وهو المرتكز الرئيسي للاقتصاد الأوروبي حالياً. وما جرى في مدينة بال (basel) السويسرية من تمييع ما أطلق عليه "بال 3" من خلال تأجيل انطلاق العمل به حتى عام 2018، ورفض ممثلي الجانب الالماني التوقيع على وثائق "بال 3" كان تعبيراً عن مدى قوة تأثير اللوبي المالي.
وجوهر "بال 3" يقوم على تشديد الشروط على عمل البنوك ورأسمالها ويحدد الضرائب عليها لخدمة الانتاج الطبيعي وما تشير إليه تقارير البنك الدولي تقوم لوحة واضحة لقوة الاوليغارشيه المالية العالمية، ففي احدى تقاريره في مطلع هذه السنة أشار إلى أن حجم الأموال التي تتدفق يومياً من مختلف المراكز المالية العالمية يصل إلى ألف مليار دولار، تغير باستمرار هويتها النقدية والقانونية. وفي حين لا يذهب منها سوى 13% في إنتاج القيم والبضائع، فإن 87% ينحصر في اطار المضاربات، ومن هنا يمكن تصور السلطة الهائلة التي تتمتع بها الاوليغارشيه المالية عالمياً. وفي مثال المانيا، حيث يبلغ الدين العام 1,7 ألف مليار يورو تتجمع ثروة نقدية من 46 ألف مليار يورو، كملكية خاصة يمتلك نصفها 1% من المواطنين الالمان، وتكتمل الصورة عبر التذكير بالاحصاءات التي اشارت إلى وجود أغلبية الأثرياء الذي يمتلكون ثروة نقدية في المانيا حيث يبلغ عددهم 860 ألفا ويشكلون مجموع أمثالهم في كل من بريطانيا (448 ألفاً) وفرنسا (383 ألفاً).
أن يقاوم هؤلاء كل ما من شأنه أن يحد من مضاعفة ارباحهم السريعة عبر المضاربات هو ما يلمسه وزير المال الالماني "شوبيله" الذي يصر على إقرار الضريبة على البنوك حتى أيلول المقبل، وهو رجل محافظ مسيحي ديموقراطي (؟!) ويلقى توجهه هذا تأييد كل الأوساط التي تأمل أن يتمكن التوافق الالماني الفرنسي والمدعوم نسبياً من بريطانيا، في تحقيق هذه الخطوات الاصلاحية وقيادة الاتحاد الأوروبي إلى شاطئ الأمان من خلال إنقاذ نادي اليورو والحد من المضابات ضده.
() كاتب لبناني مقيم قي برلين
"المستقبل"




















