عكا
شهدت الأعوام الأخيرة صدور مجموعة من الكتب والدراسات في إسرائيل وخارجها تحكي رواية اليهود الشرقيين أو اليهود العرب الذين جيء بهم إلى "أرض الميعاد"، سواء لناحية الاستئناف على الرواية الإسرائيلية الرسمية المؤدلجة بالفكر الصهيوني، أو لناحية التضاد مع هذه الرواية بمقتضى تعريتها. ومن بين هذه الدراسات يبرز كتاب سامي شالوم شطريت "النضال الشرقي في إسرائيل، 1948- 2003"، الذي صدر في عام 2005، بكونه الأكثر شمولاً، حتى لا نقول الأكثر عمقًا، في تناوله هذه المسألة الشديدة الأهمية والخصوصية، من وجهة نظر نقدية حادّة.
مؤلف الكتاب هو باحث اجتماعي وشاعر. درس في الجامعة العبرية- القدس وفي جامعة كولومبيا- نيويورك. وقد نشر العديد من الدراسات والمقالات في المجلات الإسرائيلية وفي العالم حول موضوعات تخصّ الثقافة والمجتمع في إسرائيل وحول قضايا الاحتلال والسلام. نذكر من كتبه السابقة: "موت الثورة الأشكنازية" (منشورات "بيمات كيدم لسفروت"، 1999) و"قصائد بالأسدودية" (منشورات "أندلس"، 2003). في هذه الأيام يعمل محاضرًا زائرًا في جامعتي بيركلي وUCLA في كاليفورنيا، ويحرّر موقع "كيدما- بوابة الشرق إلى إسرائيل" على شبكة الإنترنت.
يقرأ شالوم شطريت النضال الشرقي في إسرائيل، وفق ما يؤكد، باعتباره حركة، سيرورة، انطلقت منذ نشوء إسرائيل، وذلك بالمفهوم نفسه الذي تنظر فيه المؤسسة الأكاديمية والسياسة الأميركية إلى مجمل النشاط السياسي للسود في الولايات المتحدة إبان الخمسينات والستينات من القرن العشرين باعتباره "حركة حقوق مدنية" تقاس إنجازاتها بناءً على الحصيلة الكلية لمجموع أجزائها ومكوّناتها.
ومن خلال الاستعانة بهذا المفهوم يرى الكاتب أن في مقدرته تشخيص إنجازين رئيسين ينطويان على قدر من الأهمية لـ "حركة النضال الشرقي" في إسرائيل هما: أولاً نجاح هذا النضال في إجبار الدولة الإسرائيلية على الاعتراف بسياسة اللامساواة المنتهجة من جانبها، وأيضًا إزاء جزء من اليهود أنفسهم. والإنجاز الثاني هو إحراز الشرعية للنضال الشرقي ذاته وللحركات الشرقية. وقد تحقق هذا الأمر بعد ما لا يقل عن أربعة عقود تم خلالها دمغ كل نشاط نضالي شرقي بوصمة سلبية وحتى جنائية، وأكثر من كل شيء تمّ دمغه بكونه تهديدًا للقيم الصهيونية الأساسية مثل "جمع الشتات" و"صهر الطوائف" و"وحدة الشعب" و"المناعة الداخلية للدولة".
ولا يكتفي المؤلف بالتنظير، وإنما يقدّم قراءة عمودية لمسيرة هذه الحركة منذ انطلاقتها المبكرّة وصولاً إلى أول أعوام القرن الحادي والعشرين، عبر أناة بحث وتمحيص دقيق لكل تحرّك أو حتى لكل نأمة تصبّ في مرمى الإحاطة بهذا الموضوع الواسع.
ثمة ميزة أخرى لا تقل أهمية ينمّ عنها هذا البحث الشامل تكمن في إخضاع سياسة النضال الشرقي للفحص العميق على محور الراديكالية ضمن قطبي الاندماج والاحتجاج. وبناء على هذا الفحص يتوصل المؤلف إلى خلاصات جديرة بالتأمل.
من هذه الخلاصات، مثلاً، أن النضال الشرقي كان في معظم الأحيان النضال الاجتماعي الوحيد في إسرائيل، على مرّ تاريخها القصير منذ إقامتها في عام 1948. وعلى رغم أن التطور الاقتصادي- الاجتماعي في إسرائيل سار ولا ينفك سائرًا في الاتجاه الذي يستدعي، من ناحية منطقية على الأقل، أن تكون الأولوية للنضال الاجتماعي، ويستدعي أن تكون لهذا النضال آثار كبيرة ليس أبسطها صعود قوى اجتماعية جديدة (من مترتبات هذا الاتجاه يمكن على سبيل المثال ذكر: تصفية دولة الرفاه والتقليص الملموس للمسؤولية الحكومية إزاء نوعية حياة المواطنين)، فإن الحاصل هو عكس ذلك تمامًا. ومع أن المؤلف، ضمن بحثه الدائب عن الأسباب الواقفة خلف هذا "الاستحصال المعاكس"، لا يغفل مفاعيل مسألة الوضع السياسي- الأمني، التي سرعان ما تحيل إلى كون إسرائيل لا تزال محكومة بـ "وجهة النظر الحديدية" التي أرساها موشيه دايان منذ أواخر الستينات والتي لا يمكن بمقتضاها رفع الراية الاجتماعية طالما كانت الراية الأمنية مرفوعة (وبكلماتنا المألوفة "لا صوت يعلو على صوت الأمن")، فإنه لا يريح نفسه من عناء الخوض في ما عداها من أسباب جديرة بالبحث والتقصي، أفضت بدورها إلى إقصاء النضال الاجتماعي إلى هامش الهوامش.
مهما تكن هذه الأسباب فإن أحدها يظل له وقع خاص في الأعوام الأخيرة على وجه التحديد، وهو الدور الذي تؤديه حركة "شاس" الشرقية الدينية منذ إنشائها. وفي هذا الشأن يشير المؤلف إلى أن هذه الحركة، التي ارتسمت في أذهان الكثير من اليهود الشرقيين بكونها بديلاً من حزبي "الليكود" و"المفدال"، والتي جيّشت لنفسها الكثير من أسس خطاب النضال الشرقي، أصبحت عمليًا صمّام تنفيس النضال الشرقي، من جهة، بقدر ما أصبحت إسفنجة امتصاص الاحتجاج الاجتماعي، من جهة أخرى.
ولدى وضعنا هذين السببين وغيرهما من أسباب في الحسبان فإن النتيجة المطلوب استخلاصها هي أن الاحتجاج الاجتماعي في إسرائيل، الذي لا مهرب من أن يكون اليهود الشرقيون وقوده الأساس، هو واحد من النضالات المؤجلة وأن أوان استحقاقه لا بدّ أن يحين عاجلاً أم آجلاً. وإن "كل إنسان عاقل يدرك أنه في اليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال والقمع ضد الفلسطينيين فإن الأسئلة الاجتماعية والمدنية في إسرائيل ستنفجر وتندفع نحو مركز الأجندة السياسية الإسرائيلية"، على ما يشدّد شالوم شطريت.
فضلاً عن الجوانب المثيرة، التي تقدمها رواية اليهود الشرقيين، ولا سيما حين يقرأها باحث مثل شالوم شطريت بأدوات تعتبر ريادية، فإنها تشكل تكئة عظيمة الشأن للوقوف عن كثب على مسألة الهيمنة التي دجّجت كيان إسرائيل وكينونتها. ولقد كانت الذاكرة والنسيان جزءًا من منظومة هذه الهيمنة وأيضًا من منظومة بناء الذاكرة القومية وبالأخص في الممارسة الصهيونية الدولانية.
ولا يعدّ هذا الأمر اختراعًا صهيونيًا مخصوصًا، بل إنه تقليد منسوخ عن ممارسات الدولة القومية. وينوه باحثون في هذا الشأن إلى أن أيديولوجيي الدولة القومية أوجدوا كذلك "ذاكرة الموتى"، الذين يحمل رسالتهم ويواصل دربهم المقاتلون الأحياء. والنسيان أيضًا مرتبط ببناء القومية. وبعض الإيديولوجيين القوميين، مثل الفرنسي إرنست رينان، جعلوا هذا النسيان حتى مطلبًا قوميًا. وهكذا فلا غرو إن تضمن مشروع بناء "الأمة الإسرائيلية الحديثة" وفرة من الأشياء التي كان ينبغي بـ"الذاكرة القومية" نسيانها (من ذلك يذكر أحد الباحثين، مثلا، الييدشية باعتبارها لغة حركة التنوير اليهودية، وما جرى ارتكابه ضد اليهود الشرقيين الذين جلبوا إلى هنا، وطرد الفلسطينيين من وطنهم في عام 1948). كما تضمن هذا المشروع وفرة من الأشياء التي كان ينبغي بتلك الذاكرة أن تحصر تذكرها فيها، بدءًا من "الشعب المختار" وجيل الآباء والهيكل الثاني وثورة بار- كوخبا وانتهاءً بـ "تمرّد غيتو وارسو"، باعتباره مندوبًا- تمثيليًا لذكرى الهولوكوست.
ولعلّ من المفيد عند هذا الحدّ ذكر أن الاشتغال على مسائل تشييد الذاكرة الجماعية تعرّض لانعطافة دراماتيكية في السبعينات، ترتبًا على فاعلية الحركة الما بعد كولونيالية، التي تطورت آنذاك في العالم الثالث.
فقد رأت هذه الحركة في الهستوريوغرافيا والذاكرة الجماعية مصدرًا لشرعنة الهيمنة الثقافية والتعريف الذاتي، وبدأت تصوغ من جديد حكايات تاريخية معيارية باسم الفئات المقموعة، المهمشة. وفي موازاة هذه الحركة تطور (في الأقطار الغربية) الفكر الما بعد حداثي، الذي نفى إمكان وجود حكاية تاريخية متصلة واحدة وكفر بالحقيقة التاريخية الواحدة المطلقة وطالب بصياغة علاقة أكثر تركيبًا وإشكالية بين الذاكرة والتاريخ.
في الحالة الخاصة، المتعلقة بمحور هذا الكتاب، يمكن الإشارة إلى أن اللقاء بين الصهيونية واليهود الشرقيين تميّز منذ بدايته بتداخل المنطقين القومي والكولونيالي فيه. ومن أجل شمل اليهود العرب في "المشروع القومي" (على المقاس الصهيوني الحصري) كان على هؤلاء المرور في سيرورة إلغاء لعروبتهم، أو حسب تسمية باحث آخر كان عليهم التعرّض لعملية "تطهير اليهودي العربي من عروبته".
صحيح أن هذا الإلغاء أو التطهير جرى تبريره، من طرف الصهاينة أنفسهم، بأحاديث عن العصرنة والتقدّم والتحديث (بالنسبة لهؤلاء اليهود)، لكن الذي هدّد القومية الصهيونية لم يكن "تخلّف" أو "تقاليد" اليهود الشرقيين وإنما عروبتهم المشدّد عليها من قبلهم هم أنفسهم. فإنّ الماضي العربي ليهود الشرق هدّد بأن يمسّ وحدة صف الأمة الإسرائيلية المتجانسة ظاهريًا وأن يموّه الخط الفاصل الضروري (سياسيًا) بين اليهود والعرب. وفي هذا الشأن ردّد ديفيد بن غوريون المقولة التالية: "نحن لا نريد بأن يكون الإسرائيليون عربًا. ويتوجب علينا أن نكافح روح المشرق الذي يخرب أفرادًا ومجتمعات".
سأختم بملاحظتين:
الأولى- يقوم كتاب شالوم شطريت هذا وأمثاله من الكتب التي تناولت رواية اليهود الشرقيين من منظار نقديّ بخضّ الكثير من المسلمات حول البنية الاجتماعية الداخلية لإسرائيل وسيرورة تطورها. وفي طليعة ذلك فإنه يخضّ كل ما يتعلق بـما اصطلح على تسميته بـ "ثقافة التطوّر التنموية"، التي استبطنت بشكل اختياري العديد من المفاهيم العنصرية ليس فقط إزاء المواطنين العرب في الدولة الإسرائيلية ومن ثم إزاء الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد احتلالهما في عام 1967، وإنما أيضًا إزاء اليهود الشرقيين وإزاء غيرهم من الفئات اليهودية المهمشة من بعدهم. وهو موضوع يطول شرحه. لكن إذا أخذنا موضوع التحديث كمثل فسوف نرى أنه في واقع الأمر لم تبذل بصورة عملية أي محاولة إسرائيلية رسمية جادة في أي مرحلة لتحقيق حلم "التحديث" في دلالته المتساوية. وقد أشير، أكثر من مرّة، إلى أن "مفهوم التطور" الذي تشكل في الخمسينات ليس أنه لم يلزم بذلك فحسب وإنما أيضاً ألزم بما هو عكس ذلك تماماً، أي بما يمكن اعتباره تحديثًا انفصاليًا. ولا يجري، في العادة، عرض هذا التحديث الانفصالي بصفته نتاج سياسة التطوّر وإنما بصفته نتاجًا لـ "فوارق في المقدرة" (العقلية بالأساس) بين أبناء الجاليات المختلفة، وعملياً بصفته نتاجًا "حتميًا" (لا خيار فيه) من جراء فشل "جميع المحاولات" لجعل اليهود الشرقيين يبلغون المستوى نفسه الذي بلغه اليهود الأشكنازيون.
الثانية- أثار أحد الباحثين في المشكلة الشرقية أخيراً بعض التساؤلات حول مغزى اقتصار الأبحاث النقدية المتعلقة بهذه المشكلة على المثقفين الشرقيين، خلافًا لمشكلات أخرى اندرجت هي أيضًا حتى وقت قريب في نطاق التابوات، مثل المشكلة الفلسطينية. وعزا ذلك، ضمن أمور أخرى، إلى مسألة الهيمنة داخل المجتمع الإسرائيلي.
وكتب في هذا الخصوص يقول: لماذا يتحمس اليسار الإسرائيلي، من الصهيوني إلى الراديكالي، للعمل في المشكلة الفلسطينية ولماذا ينكر القضية الشرقية، التي كان شريكًا في تفاقمها؟. إن في مجرّد حقيقة أن الجيل الشاب من "اليسار" الإسرائيلي لا يشخّص القاسم المشترك البارز بين هاتين الفئتين- الفلسطينيين والشرقيين- ما يثير الشك والدهشة. لكن تفسير ذلك عمليًا ليس صعبًا، ذلك بأن شجب الإثم الذي تم إلحاقه بالفلسطينيين لا يهدّد بالخطر مكانة المثقفين الأشكنازيين أبناء الجيل الحالي. إن ذلك لا يهددهم كمجموعة ثقافية مهيمنة داخل المجتمع الإسرائيلي ولا يهدّد مكانتهم الاقتصادية. وهو لا يهدّد تعريفهم الذاتي كممثلي الثقافة الغربية داخل الشرق العربي.
وبكلمات أخرى فإن ما يقول به هذا الباحث هو أن صمت اليسار الإسرائيلي يسعف في استمرار الهيمنة الأشكنازية، التي يعتبر هذا اليسار نفسه شريكًا فيها في لاوعيه إن لم يكن في وعيه التامّ، ضمن سياق تشييد البنية الاجتماعية الداخلية لإسرائيل.
إن مؤدى هاتين الملاحظتين لا يشكل تزكية لأهمية هذا الكتاب في سبر أغوار تلك البنية وفي فهم التعقيد الكامن في معضلة الهوية في المجتمع الإسرائيلي فحسب، وإنما يدعم أيضًا خلاصة شالوم شطريت بشأن النضال الاجتماعي المؤجل، من جهة، ويعزّز خلاصته بشأن الرابطة الوثقى بين هذا النضال والنضال في سبيل إنهاء الاحتلال والقمع ضد الشعب الفلسطيني حتى على صعيد المستقبل المطلوب لإسرائيل، من جهة أخرى.
في الوقت ذاته فإن هذا المؤدى يطرح تحديًا مهمًا أمام الأجندة السياسية الإسرائيلية وأمام القائلين بتحوّل الهيمنة الأشكنازية إلى ما يشبه الصيرورة، وذلك في المدى المنظور وأكثر فأكثر في المدى البعيد. وهو تحدّ ما كان من الممكن تصوّره من دون مساهمة مثل هذا الكتاب، ضمن عوامل أخرى، في الإتيان به.
(باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – "مدار" )
"النهار"




















