بعد مرور أكثر من أسبوع على حادثة إطلاق النار بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي على الحدود بين لبنان وإسرائيل، بدأت تتضح أكثر فأكثر انعكاسات هذا الحادث الحدودي الدموي على المواقف الإسرائيلية البعيدة المدى من حكومة لبنان وجيشه، ومن "حزب الله". وعلى الرغم من التقديرات الإسرائيلية شبه القاطعة بأن السبب الأساسي للحادثة يعود الى أمرين: الأول الخلاف في وجهات النظر بين لبنان وإسرائيل بشأن ترسيم الحدود ومسار الخط الأزرق؛ والثاني يعود الى الوضع الداخلي اللبناني، أو وفقاً لما كتبه الباحث في الشؤون الإستراتيجية شلومو بروم في مقال نشره معهد دراسات الأمن القومي، حاجة الجيش اللبناني لإظهار دوره في الدفاع عن السيادة اللبنانية؛ فإن هناك تقديرات إسرائيلية أخرى بدأت تطرح في الآونة الأخيرة، أكثر من علامة سؤال حول دور الجيش اللبناني وعلاقته بـ"حزب الله"، وانعكاس هذا كله على المواجهة العسكرية المقبلة على الحدود مع لبنان.
ومن أبرز ردود فعل إسرائيل الأولى على الحادث، قيامها بحملة في أوروبا وفي الولايات المتحدة ضد عمليات تسليح الجيش اللبناني وتزويده بعتاد متطور يستخدمه هذه الجيش ضد جنودها، أو معرّض لأن ينتقل الى أيدي "حزب الله". ولقد سرّعت هذه الحملة في اتخاذ لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي قرارها بتعليق المساعدات العسكرية الأميركية المقدمة الى لبنان. وساهمت في خلق أجواء معادية للجيش اللبناني في أوساط مجلس النواب الأميركي الذي عبر عن قلقه إزاء التأثير المتزايد لـ"حزب الله" على الجيش اللبناني.
حتى الحادثة الأخيرة، كان هناك شبه اقتناع إسرائيلي بأن انتشار الجيش اللبناني على الحدود الشمالية هو عنصر استقرار وليس عنصراً للقلق، وأن وجوده على طول الحدود مع إسرائيل، يقوي الحكومة المركزية اللبنانية برئاسة سعد الحريري المدعوم من الغرب ومن الدول العربية المعتدلة وعلى رأسها السعودية. ولكن مع التعقيد الذي يشهده الوضع السياسي الداخلي في لبنان على خلفية الاتهامات التي قد توجهها المحكمة الدولية المكلفة التحقيق في اغتيال رفيق الحريري الى مسؤولين عسكريين في "حزب الله"، والحملة التي شنها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله على المحكمة وتقديمه دلائل تثبت تورط إسرائيل في عملية الإغتيال؛ فإن ثمة تخوفاً إسرائيلياً من الانعكاسات السلبية للوضع الداخلي اللبناني على الهدوء الهش على الحدود.
وعلى الرغم من عدم تعليق الصحف الإسرائيلية على إتهامات نصر الله، فإن التكهنات الإسرائيلية حول انعكاسات صدور القرار الظني للمحكمة الدولية بدأت تأخذ منحى أكثر تعقيداً.
تراقب إسرائيل عن كثب الضغوط الداخلية التي تتعرض لها حالياً الحكومة اللبنانية من جانب "حزب الله" ومن جانب دول عربية أخرى لإيجاد مخرج للقرار الظني للمحكمة الدولية. وقد فسّر أكثر من معلق إسرائيلي الحماسة الكبيرة التي غطت بها قناة "الجزيرة" اتهامات نصر الله بأنها تعبير عن الدعم الرسمي لدولة قطر لموقف "حزب الله"، أي اتهام إسرائيل بالاغتيال.
من بين كل الصحف الإسرائيلية وحدها صحيفة "هآرتس" حاولت أمس الرد على اتهامات السيّد نصر الله لإسرائيل بالاغتيال، لا سيما انه استخدم تقريراً لأحد مراسليها ليثبت أن إسرائيل هي المشتبه بها. فتساءل متابع الشؤون العربية في الصحيفة هل من الممكن أن تكون إسرائيل قد خاطرت بإغتيال رفيق الحريري بهدف توريط "حزب الله" مستقبلاً بالعملية؟ ويجيب على ذلك بأنه من المستبعد جداً أن يكون أرييل شارون الذي كان يتولى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في زمن الإغتيال في عام 2005 قد أتته فكرة التخلص من الحريري. فتجربة شارون المؤلمة في لبنان التي تعود الى عشرين عاماً خلت لا يمكن أن تشجعه على ذلك، ناهيك بأن الخط الذي انتهجه تجاه لبنان كان يقضي بعدم التدخل في السياسة الداخلية لهذا البلد، بالاضافة الى أن شارون ما كان ليخاطر بعملية اغتيال معقدة ومحفوفة بالخطر لأحد الزعماء اللبنانيين المدعومين بصورة كبيرة من الولايات المتحدة ومن فرنسا والغرب، فالشخص الذي كان يرغب في التخلص منه في تلك الآونة هو ياسر عرفات وليس رفيق الحريري.
"النهار"




















