تأمُل الحال الفلسطينية يثير القلق حدّ الفزع: الثقافة السياسية تأسست عبر العقود الأربعة الماضية على الرغبات أكثر ممّا تأسست على العقلانية، حتى إذا اصطدمت الرغبات بجدار الواقع المناقض لها، وحتى لو كانت مجرّد رغبات لا سند يدعمها، ولا أسباب لإشاعتها والتجييش لها.
الفلسطينيون أيضا وعبر عقودهم الأربعة خلطوا حدّ التماهي بين الفكرة السياسية والأخلاق، فأسبغوا طابعا أخلاقيا على كلّ ما يرغبونه من أفكار، في مقابل صفات لا أخلاقية على ما يرفضون.
من يتأمّل اليوم يصيبه الدوار: الدعوات التي لا تتوقف للكفاح المسلح والمقاومة المسلّحة، تبدو خارج الشروط الموضوعية ليست أكثر من منافحة "أخلاقية" يؤمن أصحابها أن من العار التوقف عنها. هنا لا مكان إطلاقا لأية قراءة موضوعية، بل إن أحد الكتاب عاتبني مستنكرا بالطبع لأنني قلت في مقالة في "المستقبل" قبل أسبوع، أن الظروف الموضوعية، فلسطينيا وعربيا ودوليا ليست في صالح المقاومة المسلحة، وقد توقفت بالذات في رسالة عتبه أمام سؤاله الذي بدا واثقا، حين سألني مستنكرا إن كانت المقاومة المسلحة تحتاج إلى ظروف موضوعية أصلا؟
سؤاله يضمر بالطبع فهما واحدا هو أن الأمر كلّه يعتمد على الإرادة الذاتية وحسب.
هكذا تنشأ من هذا السؤال المطمئن مفاهيم أخرى، فما دامت الإرادة هي المفتاح، فكلُ من لا يدعو اليوم للمقاومة المسلحة إنما يفعل ذلك بسبب أنه لا يريد. وهنا بالذات تنفتح أبواب الإتهامات.
كثر من الفلسطينيين يعتقدون أن خصومهم السياسيين الذين يرفضون المقاومة المسلّحة إنما يتذرعون بالظروف الموضوعية ليس إلا، وهم في الحقيقة لا يريدون!
وما دام الأمر على هذا النحو الطوباوي، يصبح من البديهي والمفهوم أن تتلاقى الشعارات السياسية بالأخلاق، فتندلع مع هذا التلاقي حرب الاتهامات بالتفريط والتخاذل والتخوين.هي بالتأكيد ثقافة سياسية وليدة غياب الحوار العقلاني، وإن شئنا الدقة هي سياسة تناقض السياسة بمعناها ومضمونها المعروفين في العالم، وشرطهما الأوّلي أي ربط النتائج بالأسباب، والاقتناع حقا بأن "الأشياء مقمّطة بنواميسها" كما قال الشيخ محيي الدين بن عربي، فلا شيء من هذا كلّه ما دامت الإرادة الذاتية وهي هنا مجرّد الرغبة هي من ستنوب عن الواقع وظروفه الموضوعية.
الغريب والأكثر مدعاة للدهشة أن كلّ من يحملون آراء كهذه لا يعترفون إطلاقا بالمستوى بالغ الانحدار الذي وصلته حركتهم الوطنية، رغم ما يكيلونه لها من هجاء لا يتوقف، وهو ما يفسّر جموح أغلبهم للتطرُف في مطالبهم فنراهم وهم يعدّدون مظاهر الانحدار يخلصون في نهايات أحاديثهم للدعوة إلى "انتفاضة جديدة"، ما جعل البعض يعلّق ساخرا بأنها دعوة لشراء انتفاضة من سوبر ماركت الأحلام.
ومرة أخرى أعتقد أن غياب الحوار هو السبب: لا حوار حقيقي بين الأحزاب والفصائل بل لا حوار حقيقي داخل الحزب الواحد، وفي غياب الحوار، هل يظلُ مكان سوى للرغبات؟
"المستقبل"










