منذ صدور قانون الاستثمار رقم ( 10 ) لعام 1991 ، تستمر السلطات السورية – بفريقها الاقتصادي ووسائل إعلامها وأجهزتها السياسية ومؤسساتها المعنية – بإثارة ضجيج بوتائر عالية وأشكال متنوعة حول حاجة البلاد للاستثمار والنجاح في في جذب الاستثمارات ، وأهمية المشاريع الاستثمارية التي أنشئت أو هي في طور الإنشاء . وكانت وتيرة هذا الضجيج تعلو خلال الإعداد لخطة خمسية جديدة ، أو أثناء دراسة وإقرار الميزانية العامة للدولة . فيتم إغداق الوعود على الشعب السوري ، وتزيين الأوضاع الرمادية لتغدو وردية ولو على الورق . فترتفع المنشآت ، وتمتلىء الخزينة ، وتفيض الأسواق ، وتعمر جيوب المواطنين وبيوتهم بالخيرات . غير أن الحالة تتبدل بشكل دراماتيكي قرب انتهاء الخطة الخمسية من خلال فحص حصادها بالنقد والتحليل والكشف عن محصولها ونتائجها ، وأثناء مراجعة ميزانية العام السابق والمردود العام للنشاط الاستثماري فيه . فتمزق الوقائع العنيدة كل الأمنيات والوعود والأوهام التي بيعت لا لأحد ومجاناً على وسائل الإعلام ، التي تردد ما يقال على عواهنه . وتنسى آخر العام ما سبق أن كتبته وأعلنته في أوله . وهكذا يفعل المسؤولون أيضاً .
وخلال عشرين عاماً من فتح باب الاستثمار في البلاد ، وبعد التعديلات الكثيرة التي جرت على القانون ، والتسهيلات الكبيرة الجادة وغير المسبوقة ، بقيت حركة الاستثمار ومشاريعه في كل الميادين والأنشطة متواضعة ودون المستوى المتوقع والمطلوب . بل إن العديد من المشاريع التي توطنت في البلاد لسنوات عدة ، اضطرت في العامين السابقين للإغلاق ومغادرة سورية إلى مناطق مؤهلة للاستثمار الصحي والصحيح ، وقد فعلت . وما يجري في قطاع النسيج هذه الأيام واحد من دلائل حركة الاستثمار المنتكسة . وعندما يبلغ عدد مشاريع الاستثمار عام 2009 ( 279 ) مشروعاً ، ولا ينفذ منها إلا 28% فقط ، تصبح اللوحة أوضح .
رغم أن تجربة العقدين المنصرمين في شؤون الاستثمار في سورية أكثر من كافية للوصول إلى الاستنتاجات العلمية والمنطقية والواقعية ، إلا أن السلطة تستمر في غيها ومكابرتها ، ولا تريد أن ترى الحقائق كما هي . وهي أن التسهيلات الإدارية والاعفاءات الضريبية ورزمة الحوافز والتقديمات مهما كانت سخية ، لا تكفي وحدها لجذب الاستثمارات وخلق مناخ صحي لبيئة أعمال عصرية وآمنة ومنتجة . منتجة للبلد ولأصحابها والقائمين عليها في الوقت نفسه ، وتتمتع بالاستقرار والعائدية المطلوبين .
وعلى الرغم من النصائح التي وردت من جهات عدة ( مراكز بحث ودراسات – غرف تجارة وصناعة – مستثمرين معروفين – اقتصاديين ذوي خبرة مميزة ومن توجهات مختلفة ) حول حاجة البلاد الماسة للإصلاحات السياسية والاقتصادية والإدارية الكفيلة بمكافحة البروقراطية والفساد وخلق بيئة جاذبة للاستثمار . وأنه ما لم يتم إنجاز هذه الحاضنة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والمالي ، لن تتمكن سورية من تحقيق معدلات الاستثمار الممكنة في وقت تتوافر لها جميع العناصر المطلوبة . وكان صوت الشيخ صالح كامل من أعلى الأصوات التي صدحت بهذه الحقيقة في مؤتمر الاستثمار الذي عقد بدمشق في مطلع الصيف الماضي . حيث جاءت سورية في المرتبة الأخيرة عربياً في " سهولة ممارسة أنشطة الأعمال " .
وبعد أن بح صوت المعارضة الوطنية الديمقراطية في إعلان حاجة البلاد لإصلاح سياسي ، يشكل مدخلاً إلزامياً وأرضية صالحة لرزمة الإصلاحات الأخرى دون جدوى ، واستمرار السلطة في نهجها بالإنصات إلى المجتمع وقواه الفاعلة ومؤسسات الاستثمار والأعمال الدولية عبر أذن من طين وأخرى من عجين ، جاء أخيراً التصنيف الائتماني السيادي الذي تقوم به الوكالات الدولية ، ليظهر موقع بلادنا المتخلف على سلم الاستثمار . حيث وضعها في موقع تحتاج فيه إلى ثلاث درجات لتصبح مؤهلة لاستثمارات ممكنة ومقبولة . وليعلن أن " المخاطر السياسية لا تزال على رأس العناصر الملموسة الضاغطة في تصنيف سورية السيادي ، إضافة إلى البنية الاقتصادية والأطر المؤسساتية الضعيفة والنظام المالي المتخلف " . ويختتم التصنيف قراره بالملاحظة التالية : " إن آفاق تصنيف الائتمان في سورية تتوقف على نجاح المبادرات السياسية الهادفة إلى تحسين مناخ الاستثمار " .
22 / 9 / 2010 هيئة التحرير




















