من الخطأ، برأينا، النظر إلى المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية نظرة أحادية. في هذا السياق، نوافق الرأي القائل بأن المفاوض الفلسطيني قد تراجع عما أسماه متطلبات نجاح العملية التفاوضية، بما في ذلك الوقف الكامل للاستيطان، ورضي بالتفسير الأميركي ـ الإسرائيلي لهذه المسألة، كما غض النظر عن الاستيطان والتهويد المتواصلين في القدس المحتلة. كما نوافق الرأي القائل بأن المفاوض الفلسطيني دخل هذه العملية التفاوضية من دون الاتفاق المسبق على مرجعيتها السياسية، وعلى جدول أعمالها، وأن هذا الدخول أثار، منذ اللحظة الأولى، إشكالية شديدة التعقيد. ففي الوقت الذي يطالب الفلسطيني أن يكون مدخل المفاوضات، رسم حدود الدولة الفلسطينية لتظهر حدود السيادة الفلسطينية وبالتالي حدود الأرض التي يفترض أن يتوقف الاستيطان فوقها تماماً، وأن يرحل عنها الاحتلال والمستوطنون ـ يصر الجانب الإسرائيلي على بحث ما يسميه أمن إسرائيل، بحيث ترسم حدود الدولة الفلسطينية، وفقاً "للمصالح الأمنية" الإسرائيلية، وبما يشكل تجاوزاً فظاً للقرار 242 الذي أكد مبدأ "عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة"، وأكد أيضاً على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي حتى حدود الرابع من حزيران 1967. وفيما لو أخذ بالرأي الإسرائيلي، واعتمدت مسألة "أمن إسرائيل" مدخلاً للعملية التفاوضية، وجرى التساوق مع متطلبات هذا "الأمن"، لقاد ذلك إلى تقليص مساحة الدولة الفلسطينية وإلى تقطيع أوصالها بالمستوطنات والطرق الالتفافية، كما من المتوقع أن يقود ذلك إلى سلخ منطقة الأغوار عنها، بذريعة أنها تشكل حدوداً "أمنية" لإسرائيل، يجب أن يتموضع فيها الجيش اتقاء للخطر القادم من الشرق. وقبل العام 2003 كان الخطر عراقياً، ولكن، وبعد تغيير النظام في بغداد أصبح الخطر إيرانياً. وهو، كما يرى مراقبون، خطر مزعوم.
ومن الطبيعي القول إن افتتاح المفاوضات بتنازلات فلسطينية بهذا القدر من شأنه أن يفتح شهية المفاوض الإسرائيلي لطلب المزيد من التنازلات، وأن يفتح شهية الراعي الأميركي للضغط أكثر فأكثر على الطرف الأضعف، أي الطرف الفلسطيني، ليستجيب ويواصل تنازلاته، وذلك رغبة من الجانب الأميركي بـ"إنجاح" العملية التفاوضية، ولو أدى ذلك إلى اتفاقات غير مستقرة، رجراجة، قلقة، لا توفر الأسس للاستقرار والأمن.
بناء عليه، يمكن القول إن المفاوض الفلسطيني يقف عند مفترق طرق وعند خيارين. فإما أن يستجيب للضغوط، ويصبح لديه مصير المفاوضات أهم من مصير الحقوق الفلسطينية، وإما أن يرسم لنفسه حدا لا يتجاوزه، ولو أدى ذلك إلى تعليق العملية التفاوضية، أو تجميدها، أو حتى نسفها من أساسها. وهذا يقودنا إلى القول إن المفاوضات، تشكل، للرئيس الفلسطيني محمود عباس، فرصة تاريخية، لإعادة صياغة الحالة الفلسطينية، كما فعل الرئيس الراحل ياسر عرفات بعد عودته من المفاوضات الفاشلة في كامب ديفيد في تموز 2000. فعشية كامب ديفيد، تعرض الرئيس عرفات إلى حملات انتقاد، بل وتخوين من قبل صف واسع من القوى السياسية الفلسطينية، وأبدى كثيرون تخوفهم من أن يقدم تنازلات تطيح قسما غير قليل من الحقوق الوطنية. لكن، ولأن الإسرائيليين، لم يقدموا لعرفات اقتراحات ومشاريع حلول "لا يستطيع أن يرفضها" ـ كما قال عمرو موسى وزير خارجية مصر آنذاك ـ وجد الرئيس الفلسطيني نفسه مطالباً بالانسحاب، والعودة إلى الأراضي الفلسطينية، لتنطلق بعدها الانتفاضة الثانية وليستعيد عرفات كثيراً مما خسره في الصف السياسي الفلسطيني. وليتحول، مرة أخرى، رغم الخلاف معه، هنا أو هناك، إلى مركز الحركة السياسية ونقطة الاستقطاب في الشأن الفلسطيني، إلى أن أصابه ما أصابه، ورحل في الظروف الغامضة المعروفة.
الرئيس عباس ذهب إلى المفاوضات في واشنطن في ظل خلافات فلسطينية حادة: فقد عارضته فيها الفصائل الرئيسية في م.ت.ف؛ وهي الجبهة الديموقراطية والشعبية وحزب الشعب، لعدم توفر الأسس اللازمة لضمان الحقوق الفلسطينية. وللسبب نفسه، عارضه فيها عدد من أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح في مقدمهم النائب الأسير مروان البرغوثي، ومحمد دحلان ومحمود العالول، وصف من قواعد الحركة من بينهم شبيبة الحركة في مدينة رام الله وجامعة بيرزيت. كما عارضه فيها ـ وهذا متوقع مسبقاً ـ حركة حماس وعدد من الفصائل الموالية لها، وذلك على خلفية الانقسام القائم بين السلطة في رام الله وبين حركة حماس.
هذا الانقسام، وهذا الخلاف، خارج م. ت. ف. وداخلها، من شأنهما أن يضعفا موقع المفاوض الفلسطيني، في مواجهة الإسرائيليين والأميركان معاً. إذ يستطيع الطرفان أن يخاطباه بأنه لا يمثل الحالة الفلسطينية كلها، وتستطيع إسرائيل أن تتملص من استحقاقات المفاوضات بالإدعاء أن عباس لا يستطيع أن يقدم ضمانات بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، في ظل تمرد قطاع غزه عليه ـ كما قال رئيس وزرائها السابق ايهود أولمرت ـ إلى أن يستعيد عباس "سيطرته على غزة"، على حد تعبير أولمرت.
إذن، عباس، على مفترق طريق كما أسلفنا. الخطير فيه والمليء بالمتفجرات هو ذلك الذي سيضطر فيه ـ مرغماً وتحت الضغط الأميركي ـ الموافقة على ما كان الرئيس الراحل عرفات قد رفضه في كامب ديفيد. ونعتقد أن تجربة عرفات يمكن أن تشكل سلاحاً بيد عباس، بحيث يعلن، صراحة، أنه لن يستطيع أن يقبل ما لم يقبل به عرفات. وهو بذلك يضع حداً لحدود الموقف الفلسطيني، وهي حدود لا تلتقي مع حدود الموقف الإسرائيلي، بل إن بين هذين الخطين مسافة كبيرة، يستحيل جسرها، في ظل موازين القوى الراهنة:
[في ظل عدم قدرة عباس على الاستجابة للشروط الإسرائيلية خوفاً من انفجار الوضع الفلسطيني على أصحابه، معارضة وموالاة.
[وفي ظل رفض إسرائيل الاعتراف بالحدود الدنيا لحقوق الفلسطينيين.
[ وأخيراً في ظل فشل الولايات المتحدة، وعدم رغبتها في الضغط على نتنياهو ليتخلى عن تعنته، ويقبل بحل "متوازن" مع الفلسطينيين.
وهو ما يدفعنا للقول إنه ليس مؤكداً أن الرئيس عباس سوف يتجاوز الخط الأحمر في المفاوضات، بل سيبقى في الأفق احتمال أن يتراجع في اللحظة المناسبة وأن يرفض ما سوف يفرض عليه بقوة الضغط أو التهديد بمصير كمصير عرفات. عندها يكون عباس قد أعاد الوحدة إلى صفوف م.ت.ف وإلى صفوف فتح، ووضع أطراف الانقسام في الزاوية الحرجة. لكننا، في السياق نفسه، نعتقد أن الوصول بالرئيس عباس إلى هذه النقطة، التي ستنقذ الموقف الفلسطيني، يتطلب، فيما يتطلبه، أن تواصل المعارضة، من داخل م. ت.ف، ومن داخل فتح، ضغوطها على عباس، عند كل نقطة، وعند كل قضية، وبحيث يبقى الحذر، وتبقى الرقابة الشعبية عامل ضغط، يتصدى للضغوط الأميركية والإسرائيلية ويخفف من تأثيرها على المفاوض الفلسطيني وعلى الرئيس عباس.
"المستقبل"




















