هل يتوصل الفلسطينيون إلى بديل من المفاوضات متفق عليه بين أطرافهم السياسية المختلفة، أم أن محطة السادس من الشهر الحالي، موعد انتهاء مهلة الشهر الممنوحة من اللجنة العربية إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما، سوف تشكل عاملاً إضافياً في توسيع شقة الخلاف حول الموقف من العملية التفاوضية؟
هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح على الفلسطينيين، خاصة أن المؤشرات بدأت تدلل، بما فيه الكفاية، على أن نتنياهو لن يمدد فترة تجميد الاستيطان، بل، قدم بدلاً من ذلك اقتراحات اعتبرت التفافاً على فكرة التجميد، تهدف إلى التشريع له بطريقة أو بأخرى. كما أن الاقتراحات التي قدمها إلى أوباما، وكشفت عنها الصحف العبرية، أوضحت هي الأخرى أن رئيس حكومة إسرائيل غير راغب في الوصول في ملفات الحل الدائم إلى نهاياتها، بل هو يقترح بدلاً من ذلك حلاً آخر، يجمع بين فكرة “حل الإطار” الذي كان سلفه ايهود باراك قد توصل اليه مع الرئيس الفلسطيني الراحل، عام 1998 للالتفاف على مفاوضات الحل الدائم، و”خطة مصالح إسرائيل” التي كانت قد تبنتها حكومة نتنياهو السابقة، وصاغها آنذاك وزير الدفاع فيها ووزير البنى التحتية ارييل شارون. من هنا اقتراحه، على سبيل المثال، دولة ذات حدود مؤقتة، ومفاوضات بين “دولتين” قد تمتد لعشر سنوات، (اقتراح مستوحى من “اتفاق إطار” باراك) وحل يضمن لإسرائيل البقاء في الأغوار، والسيطرة على المياه الجوفية وقمم جبال الضفة الغربية (اقتراحات مستوحاة من “خطة مصالح إسرائيل”).
واستناداً إلى اقتناع يزداد رسوخاً لدى أوساط واسعة في الضفة الفلسطينية بعبثية المفاوضات مع نتنياهو وعدميتها وعقمها، واستحالة وصولها إلى حل يضمن للفلسطينيين الحد الأدنى من حقوقهم، فإن المشاورات على أكثر من صعيد، بدأت تبلور بدائل، يقول المطلعون على مضامينها، إنها تحتاج إلى المزيد من البلورة والإنضاج، وإلى رسم الآليات العملية لنقلها من حيز الاقتراح إلى ميدان الفعل والتأثير. كما تتطلب، لطرحها، والعمل بها، القطع مع دور الراعي الأميركي وعدم الارتباط بخطته، والعمل في الوقت نفسه لإعادة صوغ أجندة اللجنة العربية بحيث يصبح القرار الفلسطيني مرجع الموقف العربي وليس العكس، وأن تلتزم الحالة العربية القرار الفلسطيني وتدعم تنفيذه بكل السبل والإمكانات المتوافرة. البدائل الفلسطينية قيد التداول تنقسم إلى محاور عدة، لكنها، كما تحرص الأطراف التي تعمل على بلورتها، تشكل في مجموعها رزمة واحدة، تتفاعل المحاور في ما بينها، ويفيض كل محور بتداعياته على المحور الآخر. وهي:
• المحور الأول: العودة إلى خيار المقاومة الشعبية، وتوفير عناصر توسيع نطاقها لتخرج من حدود البؤر المتفجرة في أنحاء من الضفة وتشمل المدن الفلسطينية وريفها، وبحيث تتطور إلى انتفاضة تأخذ في الاعتبار تجارب ودروس الانتفاضتين الأولى والثانية، دون أن يسقط من الحساب دور المقاومة المسلحة، في هذا المضمار. وبحيث تستشعر إسرائيل أن الإقامة في الضفة مكلفة وبما “يقنعها” بخطأ الاعتقاد بإمكان الاحتفاظ بالأرض الفلسطينية المحتلة إلى الأبد.
• المحور الثاني نقل المعركة إلى الأمم المتحدة وعواصم العالم، من خلال الإعلان من طرف واحد عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، والتقدم بطلب العضوية إلى المنظمة الدولية ومطالبة العالم بالاعتراف بهذه الدولة، مستندين في ذلك إلى أن أكثر من مئة دولة اعترفت بإعلان الاستقلال الفلسطيني في العام 1988 تحت وطأة الانتفاضة الأولى. وبناء عليه تتغير المعادلة مع إسرائيل فتصبح دولة تحتل أراضي دولة أخرى ذات سيادة، وهو ما يعطي للقضية أبعاداً دولية وقانونية لم تتوافر في ظل العملية التفاوضية السابقة.
• المحور الثالث يكمل المحور الثاني في المعركة الديبلوماسية. فمقابل توسيع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، العمل على ما يسمى نزع الشرعية الدولية عن إسرائيل، أولاً لأنها تحتل أراضي دولة أخرى، وثانياً من خلال إعادة إحياء مجموعة من التقارير والقرارات والملفات التي تدين إسرائيل، منها تقرير غولدستون حول جرائم الحرب الإسرائيلية المرتكبة في غزة، وكذلك القرار الاستشاري للمحكمة الدولية في لاهاي حول جدار الفصل والضم العنصري، وقد صادقت عليه الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ودعت إلى تفكيكه وإعادة الأراضي التي شيد عليها إلى أصحابها والتعويض لهم عما لحق بهم من أضرار. والأهم أن القرار هذا اعتبر أن القرار 181 لم ينفذ بعد، وقد دعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته، لاستكمال تنفيذه عبر المساعدة على قيام الدولة الفلسطينية في الحدود التي رسمت لها دولياً. ويعتبر هذا الجزء من القرار مكسباً فلسطينياً وعربياً ذا أهمية لأنه يضع مشروعية الدولة الإسرائيلية على المحك.
• المحور الرابع تحرك عربي، إلى جانب الفلسطينيين، يتبنى بدائلهم، ويوفر لهم الدعم المالي، والسياسي، والديبلوماسي والقانوني، بما في ذلك الضغط على الولايات المتحدة، وفق مبدأ “تبادل المصالح” حتى لا تعرقل التحرك الفلسطيني أو تزرع في طريقه المعوقات. وذلك عبر وضع تصريحات أوباما على المحك، خاصة قوله إن قيام دولة فلسطينية، بات يشكل مصلحة للولايات المتحدة.
قد تبدو اقتراحات البدائل هذه جذابة في أعين الفلسطينيين خاصة الذين وصلوا مع المفاوضات إلى جدار اليأس. لكن الواضح أن تبني مثل هذا البدائل، معناه إعادة النظر في آليات عمل القيادة والمؤسسات الفلسطينية، فثمة فارق كبير بين إدارة الصراع عبر مفاوضات في ظل هدوء أمني من جانب الأطراف الفلسطينية، وبين إدارة الصراع عبر اللجوء إلى كل الوسائل الممكنة، بما فيها تلك التي كان الرئيس محمود عباس يحذر في تصريحاته من خطورة العودة إليها.
“النهار”




















