في 2 تشرين الثاني مر 93 عاماً على وعد وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور الذي اغتصب اليهود بموجبه فلسطين. وغداة الذكرى وصل خلف بلفور، وليم هيغ، الى اسرائيل ليستقبل بقرار قطع الحوار الاستراتيجي بين الدولة العبرية وبلاده بسبب عدم تعديلها حتى الان قوانينها التي تسمح بملاحقة قادة عسكريين ومسؤولين اسرائيليين حاليين وسابقين يواجهون دعاوى من ناشطين ومنظمات دولية بارتكاب جرائم حرب.
ولم تشفع ذكرى إطلاق وعد “الوطن القومي لليهود” في فلسطين بهيغ، فقوبل بفتور واضح من المسؤولين الاسرائيليين لا سيما بعدما أكد على الموقف المعلن للاتحاد الاوروبي باعتبار القدس الشرقية جزءاً من الدولة الفلسطينية العتيدة.
لكن الصدود الذي قوبل به هيغ ليس الموقف التصعيدي الاسرائيلي الوحيد الذي صدر في الايام الاخيرة. فقد اصدر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قراراً منع بموجبه رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض من دخول القدس الشرقية حيث كان من المقرر ان يدشن مدرسة هناك. وجاء في تبرير القرار ان القدس الشرقية هي ضمن حدود بلدية القدس وتالياً لا يحق للفلسطينيين ان يمارسوا ضمنها ما يمكن ان يوحي بقبول اسرائيلي بأي نوع من انواع السيادة الفلسطينية في المدينة.
وفي قرار لافت آخر، قررت الحكومة الاسرائيلية تجميد تعاونها مع “الاونيسكو” احتجاجاً على قرار اصدرته المنظمة واعتبرت فيه قبر راحيل، المكان المقدس لدى اليهود في بيت لحم بالضفة الغربية، مسجداً اسلامياً ايضاً.
ولا ينتهي التصعيد الاسرائيلي عند هذه الحدود، بل ان اسرائيل قررت تقليص الامتيازات الممنوحة لعدد من المسؤولين الفلسطينيين في ما يتعلق بمسألة انتقالهم من الضفة الغربية الى الاردن.
وفي الوقت عينه يحمّل نتنياهو الفلسطينيين مسؤولية توقف المفاوضات بسبب عدم قبولهم التفاوض في ظل مواصلة الاستيطان كما كان عليه الحال منذ عام 1993. لكنه لا يذكر ان تلك المفاوضات لم تفضِ الى نتيجة بسبب استمرار الاستيطان.
وليس أسهل على القادة الاسرائيليين من إلقاء المسؤولية على الجانب الفلسطيني في توقف المفاوضات. هذا ما فعله ايهود اولمرت وايهود باراك من قبل.
لكن التصعيد الاسرائيلي في الايام الاخيرة يرتدي طابعاً اكثر خطورة اذا كان مبنياً على واقع ان الرئيس الاميركي باراك اوباما قد تلقى ضربة قوية بفوز الجمهوريين في مجلس الشيوخ وتقلص الغالبية الديموقراطية في مجلس النواب، وتالياً لم يعد الدور الاميركي يتمتع بالزخم ذاته الذي كان يتمتع به قبل تغيير الخريطة السياسة في الولايات المتحدة.
ويراهن نتنياهو الان على انحسار الجهود الاميركية لاحياء المفاوضات بفعل العودة السياسية القوية للحزب الجمهوري، وانشغال اوباما بالتحضير للانتخابات الرئاسية بعد سنتين، مع ما يعنيه ذلك من شل قدرته على ممارسة أدنى أشكال الضغط على اسرائيل.
وهكذا تشكل المرحلة المقبلة مناخاً مثالياً لنتنياهو كي يتخلص من كل التزاماته في ما يتعلق بعملية التسوية. ليس هذا فحسب، بل التوسع اكثر في مجال الاستيطان في الضفة الغربية والامعان في تغيير معالم القدس الشرقية وصولاً الى وضع يصير معه مستحيلاً قيام دولة فلسطينية.
وكل ما يفعله نتنياهو الان، هو الاقدام على خطوات من شأنها ان تجعل الفلسطينين يرفضون العودة الى المفاوضات. واعتباراً من السنة المقبلة سيكون الرئيس الاميركي منشغلاً في التحضير لحملته الرئاسية. ورئيس الوزراء الاسرائيلي الذي يدرك ذلك بدأ التصعيد منذ الان. وإلا ما معنى كل الاجراءات التي اتخذتها اسرائيل اخيراً.
وفي النهاية يبقى أصل المشكلة في الوعد الذي أطلق قبل 93 عاماً، في حين ان وعود الرؤساء الاميركيين للفلسطينيين بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة على ارضهم سرعان ما تتبخر امام الرفض الاسرائيلي لنشوء مثل هذه الدولة.
“النهار”




















