تناقلت بعض الصحف والمواقع الالكترونية أخبار الحملة التي تشنها وزارة الداخلية على الخارجين عن القانون في عدد من المحافظات السورية، وشملت تلك الحملة عدداً كبيراً من المطلوبين وأرباب السوابق والفارين من وجه العدالة، ومرتكبي جرائم القتل، وتعاطي الحشيش والحبوب المخدرة، والدعارة وتسهيلها، والاغتصاب، وممانعة دوريات الشرطة، ومشكلي عصابات الإجرام، وممارسي السلب المسلح والسرقات وغير ذلك. والصادرة بحقهم مذكرات توقيف قضائية.
ومع ترحيبي الكبير بتلك الحملة التي تقوم بها وزارة الداخلية بشخص وزيرها اللواء سعيد سمور، ومع تأييدي التام لتنظيف البلد ليس من الخارجين على القانون وحسب، بل وتنظيفه من الفاسدين والمفسدين الذين حموا بفسادهم هؤلاء المطلوبين وشجعوهم على تحدي القانون ليعبثوا بأمن الوطن والمواطن، إلا أنني أتساءل مع الكثير من المواطنين، تُرى لو أن الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الداخلية قاموا بواجبهم كما فعل ويفعل الوزير الحالي، هل كنّا سنشاهد هذا الكم الكبير من هؤلاء المطلوبين في قبضة عناصر الشرطة ؟
وليس جديداً القول أن المهمة الأولى والثانية والعاشرة وحتى المليون لوزارة الداخلية ليس في سورية بل في جميع دول العالم وهي حماية القانون من أي انتهاك قد يتعرض له من أية جهة أو فرد مهما كان شأنه، وهي الجهة المنوط بها تنفيذ الأحكام والمذكرات التي تصدر عن السلطة القضائية..
وعلى أية حال أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي أبداً، والأهم أن لا تكون هذه الحملة مؤقتة تنتهي بانتهاء مدتها كما يُشاع، وتعود حليمة إلى عادتها القديمة، بل يجب أن تكون بنداً دائماً وحاضراً أمام مسؤولي وزارة الداخلية وعناصرها المنوط بهم مهمة حفظ الأمن العام وملاحقة الخارجين عن القانون أياً كانوا وتقديمهم للعدالة. فالقضاء مهما كان قوياً وعادلاً، إلا أن الأحكام التي يصدرها لن يكون لها أي معنى، إذا لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ من قبل الجهات الموكل إليها مهمة تنفيذ الأوامر والأحكام التي يصدرها القضاء. وإن أي تقاعس في تنفيذ ما يصدر عن القضاء سيؤدي في النهاية إلى تهميش سلطة القضاء وإضعافها لمصلحة من يعبثون بأمن الوطن والمواطن، ويزيد من سطوتهم على المجتمع ويضعف من هيبة الدولة والسلطة الحاكمة أياً كانت هذه السلطة، ويضعف من ثقة الناس بمؤسسات الدولة.
أقول هذا الكلام ليس للتقليل من أهمية تلك الحملة التي تقوم بها وزارة الداخلية ضد الخارجين عن القانون- مع أن ما قامت وتقوم به وزارة الداخلية هو أساساً يدخل في صلب مهماتها وواجباتها وفي مقدمها- بل للتأكيد على أهمية استمرار تلك الحملة في تنظيف المجتمع من هؤلاء الخارجين على القانون وفرض احترام سيادة القانون على جميع المواطنين حكاماً ومحكومين. وضرورة تضافر جميع الجهود الحكومية والإدارات والمؤسسات العامة والخاصة وتكاملها كل في موقعه لمحاربة هذا النوع من الفساد وحسب، بل وفي محاربة الفساد الأخطر الذي ينتشر في النفوس وفي العقول.
فالحكومة من موقعها القيادي الهام والخطير للدولة والمجتمع تستطيع بسلوك أعضائها إذا توفرت الإرادة أن تؤثر في ثقافة المجتمع وقيمه أما سلباً أو إيجاباً، من خلال دورها القيادي الذي يمكن أن يقدم إما الأنموذج الجيد والقدوة الحسنة في السلوك والتصرف.أو الأنموذج والقدوة السيئة نحو الانحراف والفساد والنفاق. فلا نستطيع مثلاً أن نطالب شخصا عادياً يقود سيارته أن يلتزم بنظام السير، إذا كان يرى أمامه كيف يتم خرق هذا النظام من قبل أشخاص مسؤولين أو متنفذين ،لا يجرؤ أحد على معاقبتهم؟
الفساد ليس قدرنا أو شر لابد منه، فإذا كنا كحكومة وأفراد جادين فعلاً بمحاربة هذا الفساد والتصدي له، أو على الأقل الحد من آثاره، فلن نستطيع إلى ذلك سبيلا، إلا إذا سلمنا نهائياً بمبدأ الاختلاف واحترام الآخر المختلف والاعتراف بوجوده نهائياً، واحترمنا مبدأ سيادة القانون والمساواة أمامه، وتوفر لدينا قانوناً للأحزاب والجمعيات السياسية يقوم على أسس قانونية سلمية تنبذ العنف، وقانون عادل للانتخابات يقوم على مبدأ الانتخاب الحر والمباشر والسري في جميع المستويات، بما يمكن الناس من اختيار ممثليهم الحقيقيين بكل حرّية، تحت إشراف سلطة قضائية قوية مستقلة وكفأة، تتمتع بالاحترام الكامل من الحكام والمحكومين للأحكام التي تصدرها. ولا يقل أهمية عن ذلك قيام إعلام مستقل وصحافة حرة تستطيع تسليط الضوء على حالات الفساد وكشفها دونما وجل أو خوف أو تهيب هذا المسؤول أو ذاك.
ويجب أن يترافق كل ذلك برفع المستوى المعيشي للناس، بما يحفظ كرامتهم، وترشيد الإنفاق الحكومي وخاصة منه “البذخي والترفي”، وإصلاح نظام الضرائب للتخفيف من ظاهرة التهرب الضريبي والمتأخرات، والحد من الهدر في مؤسسات الدولة بشكل عام. وإقرار مبدأ التعيين والترقية في الوظيفة العامة على أساس الكفاءة والعدالة والموضوعية بعيداً عن الولاء والقرابة والانتماء السياسي أوالديني، واعتماد سياسة التدوير الوظيفي كلما كان ذلك ممكناً. والتأكيد على أخلاقيات الوظيفة والمسؤولية العامة والتشدد فيها. ومحاسبة الموظفين ذوي السلوك الفاسد ومكافأة الموظفين ذوي الكفاءة والنزاهة، بما يساعد على زيادة درجة الحصانة ضد الفساد.
وتفعيل الدور الرقابي ورفده بعناصر كفوءة ونزيهة وإطلاق يده في كل المجالات، بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني. وإصدار قانون يلزم الموظف أو المسؤول في أي موقع كان، وقبل استلامه مهامه أن يصرح عن أمواله وأموال زوجاته وأولاده. وأن يفعل الشيء نفسه عند تركه المركز أو المنصب لأي سبب كان. وتعديل القوانين وتحديثها، خاصة تلك المتعلقة بمحاسبة مرتكبي جرائم الفساد المختلفة، باتجاه تشديد العقوبة المعنوية والمادية خاصة لمن يستغلون مناصبهم ونفوذهم في سرقة وتهريب المال العام، أومن يقوم بتزييف العملة وترويجها، أو بتهريب المخدرات أو الغش في أعمال البناء والغذاء والدواء.. واعتبار أفعال هؤلاء عمل من أعمال الخيانة العظمى، حتى تكون العقوبة شديدة ورادعة لحماية المجتمع من أفعالهم.
ومن الأهمية بمكان تخصيص حصص دراسية في المدارس والجامعات، وبرامج في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وإقامة الندوات والمؤتمرات، بما يسلط الضوء على رموز الفساد والتشهير بهم، ويوضح للناس مخاطر الفساد على المجتمع والإنسان، من شأنه أن يساعد في خلق رأي عام معارض للفساد داخل المجتمع. والمهم أن تترافق تلك الإجراءات مع البدء بعملية إصلاح التعليم على قاعدة الاهتمام بالمعلم الذي يشكل المحور الأساسي في العملية التربوية، وتطوير مناهج التربية والتعليم، بعيداً عن التلقين والاستظهار، وتقديم مواد تتدرج في أفق التربية على القيم الأخلاقية والروحية واحترام القانون وحقوق الناس، بدءاً من البيت والمدرسة وأماكن العمل ودور العبادة..الخ.
ويحضرني بهذه المناسبة قول لرئيس مجلس الدولة الفرنسي السابق رينيه: “لا يمكن أن تقوم سيادة القانون أو تتحقق إلا حيث يكون الإقرار بحقوق الإنسان واحترامها متوافراً على أكمل وجه ، وإنه لأمر جوهري أن يحمي هذه الحقوق نظام قانوني، حتى لا يكون المرء مضطراً في النهاية إلى الثورة ضد الطغيان والظلم .”
فمهما تم التشديد على تطبيق مبدأ سيادة القانون على أهميته القصوى لا يكفي لوحده، ما لم نسع جميعاً حكومة وأفراد إلى تأصيل روح الحرية واحترام القانون لدى الحكام والمحكومين على السواء، وجعل هذه الروح حية على الدوام في قلوبهم وعقلوهم، بما يساهم في تكوين وعي حقوقي وأخلاقي ذو محتوى إنساني لدى الناس جميعاً، في عملية مستمرة ودائمة ،بدءاً من البيت والمدرسة والجامعة والمعمل ..الخ. وجعل ذلك منطلقاً وأساساً في بناء وتطوير وطننا وإعلاء رايته عالياً بين الأمم وتخليصه من كل عيب، خاصةً ذلك الفساد المستشري الذي أصبح ينام ويأكل معنا.
فما قيمة النصوص الدستورية والقانونية إذا ما خمدت روح الحرية واحترام القانون في قلوب الناس وإذا لم يقم على تطبيقها قضاة ومحامين أكفاء ومستقلين..؟




















