لفتت نظري خلال قراءتي لمقتطفات المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان بشار الاسد وديمتريس خريستوفياس في نيقوسيا في ختام زيارة الرئيس السوري لقبرص اليونانية يوم الجمعة المنصرم… لفتت نظري “اللغة” التي استخدمها الأسد في الحديث عن رؤيته الاقتصادية السياسية لدور سوريا وعلاقاتها. أقصد بـ”اللغة” هنا المفاهيم والمصطلحات التي انطوى عليها خطابه السياسي.
المقطع الأهم الذي ورد في تصريحات الرئيس السوري هو التالي حرفياً:
“… الشرق الأوسط هو قلب العالم الجغرافي، وسوريا يمكن أن تكون قلب الشرق الأوسط سياسياً. وفي السياق نفسه الذي تحدد به البلدان بحدودها، فإنه يمكن تحديد المناطق ببحارها. فعلى الساحل الشرقي للمتوسط تشكّل سوريا مدخلاً لمنطقة أوسع وأكبر تحدها بحار خمسة: المتوسط والاحمر وقزوين والاسود والخليج. وهذه المنطقة التي تجري فيها معظم عمليات التبادل في السلع والطاقة حيث تقع بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا”.
وتابع مستخلصاً: “الرؤية الاستراتيجية لسوريا تقضي باستثمار موقعها المحوري لتأسيس شبكة مترامية الاطراف للتجارة والنقل وتوزيع الطاقة ما سيسمح بتدفق الغاز والنفط والكهرباء والسلع في شكل أكثر كثافة وأقل كلفة”.
لدي الانطباع، بل اني أشم “رائحة” تغيير ما جوهري في “لغة” هذا الجيل الجديد الحاكم في سوريا، هذه ليست لغة بعثية تقليدية، فليس حامل الثقافة القومية التقليدية من يحدد حدود الدول ببحارها، وليس حامل هذه الثقافة من يتحدث عن تدفق الطاقة والسلع عبر منطقة من أجزاء من ثلاث قارات.
أنا هنا لا أقيّم سلباً أو ايجاباً. أسجّل فقط تحول المصطلحات وما تحمله من مفاهيم. أتصوّر حصرياً لو كان الرئيس حافظ الاسد هو الذي يتحدث في مناسبة زيارة الى قبرص التي كانت دمشق ولا تزال على علاقة جيدة بها، أي في زمن توتر العلاقات السورية التركية الماضي أو في زمن الشراكة (المدهشة) التي أصبحت عليها علاقات أنقرة ودمشق، بالتأكيد لم يكن الرئيس الوالد ليتحدث بهذه الطريقة. ومن الناحية الرمزية كان وجود وليد المعلم، وزير الخارجية، ذا دلالة، فهو عاصر من موقع مهم خصوصاً في تسعينات القرن المنصرم تجربة حافظ الاسد، وهو الآن في موقع أهم. في تلك الفترة أتذكّر كيف حلّل وقيّم وليد المعلم كرئيس وفد المفاوضات مع اسرائيل تجربة المفاوضات الثنائية والمتعددة التي انبثقت عن مؤتمر مدريد. كان يحاول في مداخلة مطولة (وفريدة) نشرتها “مجلة الدراسات الفلسطينية” اقناع محاوريه، رداً على اتهام سوريا بأنها لا تريد الانطلاق في “التطبيع” مع اسرائيل مقابل السلام أي الانسحاب من الجولان، ان سوريا نفسها ذات اقتصاد محافظ بل مغلق على السوق الداخلية لحماية الصناعة الوطنية حتى حيال الدول العربية فكيف حيال اسرائيل؟ كان يريد أن يقول يومها أن هذا التحفظ الاقتصادي السوري في أية خطوات تطبيعية ليس ناتجاً عن نقص الرغبة في السلام، وانما عن طبيعة النظام الاقتصادي التقليدي السوري.
أنا ايضاً هنا لا أناقش إنما أقارن: فإذا أخذنا “لغة” الرئيس بشار الاسد في نيقوسيا… لا بد أن نلاحظ أين اصبح الفارق في المفاهيم الاقتصادية بين الامس واليوم… وكيف تغيرت هذه المفاهيم حين يتحدث أمين عام القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي عن حدود لدولته من “خمسة بحار هي المتوسط، والاحمر وقزوين والاسود والخليج”… اثنان منها، هما كلياً خارج الحدود المتفق عليها لـ”الأمة العربية” وهي قزوين والاسود ناهيك عن المساحات المفتوحة لشمال البحر الابيض المتوسط التركي والاوروبي والضفة الشرقية الايرانية للخليج وأجزاء طويلة من الضفة الغربية الافريقية للبحر الاحمر (مع ان الاخير كان بإمكانه أن يكون بحيرة عربية).
هذه “المقدمة” تدفعني الى ملاحظتين:
1- الاولى ان الجيل الجديد من قيادة النظام في سوريا يدخل في تجارب عملية لا سابقة لها بالنسبة له باتت تؤثر على رؤيته للعالم، وتحديداً العالم القاري والبحري المحيط على الرغم من انه لا يزال يواجه استراتيجياً المخاطر نفسها التي واجهها الجيل السابق، جيل حافظ الاسد، أي تحديات الصراع العربي – الاسرائيلي وانعكاسه على القضية الوطنية السورية. وهذا يجعل تغير مفاهيم النظام محكوماً بازدواجية القديم – الجديد. القديم الذي يتطلب التغيير والجديد الذي لا يمكن ايضاً الركون “المطلق” اليه!
2- لكن داخل هذه التحولات تحتل – في ظني – تجربة العلاقة السورية مع تركيا أهمية خاصة، فهي عدا عن كونها تجربة جيوسياسية – اقتصادية لا سابق لها بهذا الأفق منذ ما بعد الحرب العالمية الاولى التي أدت الى ولادتي جمهورية تركيا والدويلات الاربع السورية التي ستصبح بضغط الحركة الوطنية السورية في ثلاثينات القرن العشرين “الجمهورية العربية السورية”… فإنها ايضاً باتت تؤثر على ذهنية الطاقم الحاكم في دمشق من حيث مفاهيم التحديث الانمائي والتدفق السلعي وتجاوز عقد الماضي الامنية والسياسية حيال التدفق البشري على جانبي الحدود السورية – التركية.
الدول ايضاً تخضع لقاعدة: “قل لي مَن تعاشر… أقل لك من أنت”. أو مَن أنت في جزء منك!
بيئة بشار الاسد الشخصية ومحيطه من الجيل الجديد يتأثران من هذا التواصل مع شخصيات مثل رجب طيب أردوغان وعبدالله غول وأحمد داوود أوغلو… أي بيئة “شامْ غِن” حسب المصطلح اللطيف والمهم الذي استخدمه أردوغان في تشبيه الانفتاح السوري – التركي بعد إلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين (ودول مجاورة أخرى) بمعاهدة “شنغن” الاوروبية.
إلا انه في مجال “اللغة” تحديداً… انصح بقراءة كتاب “العمق الاستراتيجي” لوزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو الذي صدر أخيراً بطبعة عربية (هي الاولى بين الترجمات الاجنبية) بعد تأخر تسع سنين على الاقل عن طبعته التركية الاولى… وستتضح بعض جذور هذه “اللغة” الجيوسياسية – الاقتصادية السورية الجديدة… حتى في دولة – كقبرص – هي إحدى المشكلات المتبقية للسياسة التركية الجديدة… والتي من معالم حداثتها – أي تركيا – ان صديقاً شريكاً اساسياً لها كبشار الاسد يتحدث بكل حرية عن تدفق الطاقة والسلع والمشروعات المشتركة في عاصمتها نيقوسيا!
هذا الجزء التحديثي من النظام السوري يتقدم عميقاً وتساهم فيه العلاقة مع تركيا حتى لو ان بامكان أي متابع أن يتوقع عدم انطلاق هذا التطور نحو آفاق مشاركة سياسية داخلية أوسع طالما بقي أفق الحل السلمي مع اسرائيل مغلقاً… وهو انغلاق بدون شك، يأتي كنتيجة للتصلب المتزايد اليميني في المجتمع وبالتالي الدولة الاسرائيليين.
•••
… أخيراً… كنت أتمنى لو انني كتبت هذه الملاحظة… من مدينة حلب… عاصمة “شامْ غِن” بمعنى الأكثر استفادة وخروجاً من العزلة داخلياً وخارجياً في الزمن الجديد الذي لا تزال فيه قوة سوريا الاولى هي قوة الاستقرار الداخلي.
( alkadaya@hotmail.com)
“النهار”




















