في أعقاب مرحلة الانتظار الطويلة التي عاشتها منطقة الشرق الأوسط، واستمرار حالة الجمود والتجميد للصراع الدائر حول ملفاتها المصيرية الشائكة، ومع الارتدادات العميقة للإخفاق الكبير الذي منيت به السياسة الأمريكية في منطقتنا على نحو خاص. وفي ظل اشتداد أزمة المنطقة وتعمقها في كافة مواطنها وبؤر التوتر فيها، بسبب ترابط ساحاتها، وصراع الأجندات المتعارضة حول مشكلاتها المتشابكة، وعجز الأطراف الدولية والإقليمية عن تمرير مشاريعها وفرض حلولها، بدأت تلوح في ألأفق ملامح مشهد إقليمي جديد، يستند إلى مقاربات جديدة. أطلقتها إدارة أوباما، وتعتمد إشاعة أجواء من التهدئة، وتبريد الأجواء، وانتهاج سبل الحوار والتفاهم، وإعطاء المزيد من الفرص للتفاوض وعقد التسويات الممكنة، بغية منع التصادم، وتجنيب المنطقة حروباً لا قبل لأحد في تحمّل نتائجها. ولقد استمرت مرحلة التهدئة المنشودة، والتي أمست فيما يبدو حاجةً لا غنى عنها لكل الأطراف، بالكثير من الحذر والترقب، وبحرص الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة، على الإفادة القصوى من هذه الهدنة القلقة، عبر إعادة ترتيب أوراقها، واختبار وتصويب رهاناتها، وصياغة المواقف المتجددة، وذلك عن خلفية التوازنات السياسية الدقيقة والحساسة، والتي باتت تتحكم في أشكال الصراع وأدواته ومواقيته، وتضبط بحسابات دقيقة، إيقاعات الانزلاق نحو حرب «الإرادات المتقابلة» والتي يشتد أوارها يوما؟ً بعد يوم، في ضوء التطورات العاصفة، واقترابها الوشيك من خواتيمها الحرجة.
وبالرغم من تأخر إدارة أوباما في الالتفات إلى مقاربة أزمات المنطقة، بسبب انهماكها في ملفاتها الداخلية الطارئة، والمتصلة بالأزمة المالية العالمية وتداعياتها على الاقتصاد الأمريكي، والتحديات التي فرضتها تطورات الموقف العسكري والسياسي في كل من أفغانستان وباكستان، وبوادر الإخفاق التي بدأت تظهر في العراق، بسبب المصاعب الحقيقية التي خلفها تزايد النفوذ الإيراني، وتدهور الأوضاع الأمنية جرّاء هجمات القاعدة.
إلا أن الحصيلة النهائية لسياساتها الجديدة، بدأت تظهر بمزيد من التعثر والإخفاق، وبارتدادات عكسية طاولت مختلف مواقع نفوذها وتواجدها، مما أتاح لخصومها الإقليميين، فرصة استثمار الوقت الضائع، في إعادة ترتيب قواهم، والإفادة من مواطن الضعف والإخفاق في خلق أوضاع إقليمية جديدة، أفسحت لهم في المجال مزيداً من الحضور الإقليمي العسكري والسياسي ، والمحاولات المتبادلة لفرض الشروط ودفع المشهد الاقليمي لمزيد من التوتر والاحتقان.
بات من الواضح إذن، أن الوضع الإقليمي الناشئ، والموسوم باستعصاءاته ، وتفاقم أزماته، لم يكن سوى ثمرة لفشل الجهود والسياسات الأمريكية على أكثر من صعيد، ونتيجة مباشرة لعجز إدارة أوباما عن الالتزام بوعودها في تسوية أوضاع المنطقة بشكل يرضي العرب والمسلمين، في إطار مسعاها للانطلاق من هذه الأرضية في التوجه نحو معالجة «الخصم الإيراني» وتحجيم تمدده النووي والإقليمي ، ولاسيما بعد تمكنه من إعاقة مشروعها، ونجاحه في منع الحلول التي لا تأخذ مصالحه بعين الاعتبار، وفي مقدمتها اعتراف المجتمع الدولي بحقه في التحول إلى دولة نووية لا يمكن تجاهلها في رسم خريطة المنطقة ومستقبلها.
إلا أن الأسباب الحقيقية لهذا الفشل، تكمن وإلى حد بعيد في عدم قدرة هذه الإدارة (أو عدم رغبتها)، وكلاهما يفضي إلى ذات النتيجة، على تطويع الموقف الإسرائيلي المتصلب، والذي تتمسك به حكومة أقصى اليمين الإسرائيلي، والمتمثلة بتحالف (نتنياهو +ليبرمان)، الطامح للدخول في مفاوضات شكلية، يحقق من خلالها مزيداً من المكاسب (الدولة اليهودية)، دون أن يرغمه أحد على تقديم أي تنازل من شأنه السماح بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وقابلة للحياة والضرب عرض الحائط بالضغوط الأمريكية والدولية لوقف نشاطه الاستيطاني الذي امتد ليشمل معظم الأراضي الفلسطينية، لفرض وقائع جديدة على الأرض، تجعل من المفاوضات أمراً لا طائل من ورائه.
وربما شكّل هذا الإخفاق الكبير، حافزاً لدى إدارة أوباما، للإصرار على تحقيق بعض الانجازات على صعيد المنطقة، لكن الحافز الأهم وراء هذا الإصرار يكمن في الحد من تراجع شعبية الحزب الديمقراطي مع اقتراب استحقاق الانتخابات النصفية للكونغرس، وإدراكها للمكانة الحساسة التي تتمتع بها منطقة الشرق الأوسط على الصعيد الانتخابي، وفي محاولة منها لترميم العجز الكبير، والأخطاء المتعاقبة، والتي أتقن الجمهوريون استثمارها، وباتت تشكل خطراً جدياً على مستقبلها كما ظهر مؤخرا في نتائج الانتخابات النصفية، إضافة إلى عدد من الاستهدافات الاستراتيجية والتي تنطلق من الاعتبارات التالية:
1ــ ضرورة استعادة الهيبة الأمريكية في المشهد الدولي، وإضفاء شيء من المصداقية على مواقفها، ومحاولة استعادة الثقة المفقودة بدورها وفاعليتها وسط حلفاءها الدوليين والإقليميين، إثر فشل توقعاتهم بحدوث تقدم ملحوظ على الجبهات الساخنة والمرشحة للانفجار، وظهور النتائج المخيبة للآمال. في الرهان على ضبط التمدد الإيراني، وتليين الموقف السوري، والفشل الذريع في حل عقدة الاستيطان الإسرائيلي.
2 ــ ترجمة القناعة الخاصة التي توصلت إليها إدارة أوباما، وعبر عنها في عدد من المواقف، بأن القضية الفلسطينية تشكل (الرحم السياسي) الذي خرجت منه مشاكل المنطقة، وأن ثمة ترابطاً عضوياً بين ملفها، وسائر التحديات التي تواجهها. بدءاً من الملف الإيراني، إلى ملف القاعدة والإرهاب الدولي، مروراً بكل مناخات التأزم وعدم الاستقرار التي أصبحت تلف عدداً من نقاط التوتر العالي، بدءاً من لبنان والعراق واليمن والسودان والصومال، مروراً بالاهتزازات الجدية في بعضها الآخر، موريتانيا، الكويت، البحرين، الأمر الذي يتطلب برأي هذه الإدارة تكثيف الجهود لإطلاق المفاوضات المباشرة والتي اصطدمت فعلاً بالتعنت الإسرائيلي.
3 ــ يقع الملف النووي الإيراني وتطوراته في صلب القلق الأمريكي، ولاسيما بعد نجاح إيران في إيصال الوقود النووي وتحميله في قلب مفاعل بوشهر مما يعني أولاً عدم جدوى الضربة العسكرية لما ستخلفه من كارثة بيئية تطال دول الخليج، وثانياً أن جهود هذه الدولة طيلة /34/ عاماً قد تكللت بالنجاح. وأصبحت أخيراً دولة نووية ولو سلمية حتى الآن. لكن الخوف والقلق الأمريكي والغربي عموماً يتحدد في مقدرة إيران على مواصلة نشاطاتها في تخصيب الوقود النووي، الأمر الذي يضعها على عتبة القدرة على تصنيعه. وبالتالي سيطرتها على هذه التقانة الخطرة، وهو بالضبط ما سيؤهلها لأن تصبح قوة نووية عسكرية أو على عتبة السلاح.
وينحصر الضغط الأمريكي الآن، لمنع إيران من الوصول إلى مرحلة السيطرة على التقانة، وتفعيل الرقابة عليها، لحرمانها من الإفادة من مخلفات الوقود المستهلك، الذي يمكن استخلاص المواد الانشطارية منه بسهولة، واستخدامها في صناعة السلاح النووي.
الاستراتيجية الأمريكية وانعكاساتها على المنطقة
في ضوء التطورات المتلاحقة على صعيد المنطقة، وبلوغ إدارة أوباما منتصف ولايتها، بات من الواضح إذن، أن مكانة الولايات المتحدة الأمريكية الاستراتيجية في المنطقة قد دخلت مرحلة الامتحان، وأن افتقارها للقدرة على بالتأثير في مجرى أحداثها، لا يعوضه إلا سرعة إظهار إنجازات واضحة، بالتوازي مع مجرياتها، كالعملية السلمية، والخروج الأمريكي من العراق، وزيادة التدخل العسكري في أفغانستان، وتزايد النفوذ الإيراني وتقدم مشروعها النووي. والذي بات يتطلب سرعة في التحرك، لرسم استراتيجيات جديدة، والمضي شوطاً بعيداً في سياسة إعادة خلط الأوراق، وتحديد أولوياتها، والتي تتركز في تزايد حاجتها للضغط على إسرائيل، وانتزاع التنازلات المطلوبة منها للطرف الفلسطيني، وإعلانها انتهاء العمليات العسكرية القتالية في العراق، والتشديد على التزامها بالموعد المحدد لانسحابها منه، واستضافة قمة دولية حول عملية السلام الفلسطيني الإسرائيلي، بحضور الرئيس المصري والعاهل الأردني، لإطلاق المفاوضات المباشرة في محاولة منها لاختراق الطريق الإقليمي المسدود، ومواصلة الضغط على الطرف الإيراني بقصد عزل دوره في أحداث المنطقة، وإشراك طرف عربي من دول الاعتدال في ترجمة هذا التوجه والذي عبرت عنه زيارة الملك عبدالله إلى دمشق حاملاً كلمة السر الأمريكية، ثم توجهه مع الرئيس الأسد لعقد القمة الثلاثية إلى جانب الرئيس اللبناني في بيروت، لتشكل فيما بعد مظلة التهدئة التي تحتاجها واشنطن في كل من لبنان والعراق وفلسطين.
وإذا كانت الخطوة الأمريكية بإعلانها الانسحاب من العراق، قد جاءت تلبية لحاجة داخلية انتخابية، لكن الإدارة أرادت من خلالها تسويق تمسكها بالتزاماتها، بالرغم من عدم توصل الأطراف السياسية العراقية إلى تشكيل حكومة تستند إلى نتائج الانتخابات البرلمانية، بسبب تدخلها والتدخل الإيراني بطبيعة الحال، لكن تزامن هذه الخطوة مع مواصلة الضغط الأمريكي على إسرائيل، والسعي لإنجاح مسيرة المفاوضات المباشرة، وتوظيف الدور السعودي في المنطقة عبر الرسائل إلى دمشق وحلفاؤها، يعزز الاستنتاج بأن مسعى واشنطن لإعادة خلط الأوراق يتأتى من حاجتها لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الذي يمكنها من محاصرة الدور الإيراني وإبقاءه بعيداً عن الملف الفلسطيني، وإفراغ يده من الاستثمار في هذه القضية: والعمل على إدخال الطرفين السوري والإيراني في مسارات متباينة تعمل على توسيع الهوة بينهما. وحمل سوريا على حل مشاكلها بعيداً عن الأجندة الإيرانية ، وإذا كانت القمة الثلاثية في بيروت قد حملت في طياتها بعض الطمأنينة لدمشق بلعب دور إقليمي ، فإن زيارات المبعوث الأمريكي للسلام جورج ميتشل المتكررة للرئيس السوري، قد عكست بوضوح حرص الإدارة الأمريكية على شمول دمشق بالمفاوضات الجارية وكذلك لبنان في مرحلة لاحقة منها ويبدو أن كلمة السر التي حملها الملك السعودي مفادها أن يسعى الرئيس الأسد لتسهيل الحلول لمشاكل المنطقة في كل من لبنان، وفلسطين، والعراق وفق التوجه الأمريكي الجديد، وكذلك إعلانه تأييد مسيرة المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وإذا كان ظهور بعض المواقف السياسية في دمشق، «بدءاً من موقفها من المفاوضات الجارية والذي جاء متخففاً من قيود محور الممانعة، مروراً بالتزام التهدئة في لبنان ، وانتهاءاً برعاية واستضافة لقاء تصالحي في دمشق بين فتح وحماس». قد خلق الانطباع بنجاح المساعي المبذولة، إلا أن الأمور عادت للتأزم من جديد بسبب ما نشر وأشيع حول القرار الظني للمحكمة الدولية من أتهام لعناصر من حزب الله والاحتمالات المترتبة على ذلك من فتنة مذهبية بين السنة والشيعة والتصعيد المتبادل بين تياري 8 و 14 آذار حول المحكمة الدولية والقرار الظني وحول دور ايران من التعاون والتنسيق مع سورية ومع المعارضة في لبنان ومع أطراف في العراق وفلسطين واليمن.
المفاوضات المباشرة وأصداؤها في المنطقة:
بعد توقف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وانفراط عقدها، في ضوء فشل الإدارة الأمريكية في الضغط على إسرائيل لحل عقدة الاستيطان، لم تحمل هذه الجولات جديداً، ولم تخالف نتائجها معظم توقعات المحللين والمراقبين، فالتفاوض معركة تتطلب التزود بالسلاح، وهكذا دخلها المفاوض الفلسطيني ومن وراءها العربي أعزلاً حتى من الوحدة الوطنية، ومن العمق العربي الداعم والمتضامن في مواجهة طرف عجزت أقوى دولة في العالم عن ثنيه عن مواقفه المتعنتة، ولم تجدِ الضغوط الدولية في كسر صلفه وجبروته.
لكن المفاجأة كانت في دمشق التي سارعت إلى إعلان تبرؤها من أي أمل أو رهان على جدواها، والعودة مجدداً إلى تأكيد تحالفها الاستراتيجي مع إيران، والانضمام إلى دعم موقف حزب الله في لبنان. ولقد عكس تبدل مواقف دمشق استمرار بالمراوحة في العلاقة مع الإدارة الأمريكية، وملت الخطوة السورية الأخيرة في إصدار مذكرات الاستنابة بحق شخصيات لبنانية قريبة من الرئيس الحريري. مما عزز الانطباع بأن دمشق لم تحصل على جديد من الراعي الأمريكي لا في المفاوضات المباشرة معها ولا على أي صعيد آخر ، وعكست القمة التي عقدها الأسد في طهران مع الرئيس الإيراني اتفاق الطرفين في لبنان و في العراق، إذ تراجعت دمشق عن دعم القائمة العراقية لتعلن دعمها لترشيح المالكي.
أما في العراق: فقد دخلت الأزمة العراقية طوراً جديداً بعد تبدل موقف دمشق. واتفاق الطرفين الأمريكي والإيراني على دعم ترشيح المالكي على حساب القائمة العراقية التي تحظى بدعم دول الاعتدال العربي.
أما الجانب الكردي الذي يمثل إعطاء الأرجحية لهذا الطرف أو ذاك فمن المرجح أنه لن يخالف التفاهم الأمريكي الإيراني، ناهيك عن أن الأطراف الثلاثة لا يحبذون نجاح القائمة العراقية الأقرب الى التوجه العروبي ، ويبقى الخوف من مجيء حكومة المالكي بهذه الطريقة، وعلى هذه الأرضية، أن تكون سبباً لعودة الاحتقان من جديد، ودفع البلاد نحو مزيد من التوتر، لاسيما وسط استياء كبير فن أوساط السنة التي ترى في النتائج ومخالفتها للانتخابات إجحافاً بحقها، وكذلك ضمن أوساط شيعية كثيرة ترفض عودة المالكي.
أما على الصعيد العربي:
لعل أبرز ما يميز المشهد الإقليمي ذي المستقبل القاتم، في ظل صراعات المشاريع الكبرى فيه، أن كل هذه المشاريع الدولية والإقليمية المتعارضة سياسياً وإيديولوجياً، تجمعها سمة مشتركة، لكونها جميعاً مشروعات غير عربية، لكنها تستثمر (في غيبة العرب) وبنجاح مطرد في كل الملفات والقضايا العربية، بعد أن فقد النظام العربي الرسمي حضوره في المنطقة، ليس بسبب غياب مشروعه فحسب، بل بسبب انعدام قدرته على التصدي لمعالجة التدهور الحاصل في العديد من ساحاته، وعجزه عن مواجهة الاختراقات الدولية والإقليمية الحادة التي تنغرس في صميم واقعه، وتمس بسيادته وأمنه واستقراره ومستقبل شعوبه. والتي تسببت حتى الآن في إجهاض مشروع الدولة في أكثر من قطر عربي (العراق، لبنان، السودان، الصومال)، وتمكنت من إحداث اهتزازات عنيفة في قسمها الآخر (اليمن، موريتانيا، الكويت، البحرين). ناهيك عن التفريط والإطاحة بتاريخ نضالي حافل سطرته تضحيات الشعب الفلسطيني لأكثر من خمسين عاما، من خلال التضحية بإرث منظمة التحرير الفلسطينية كمعبر عن تطلعات هذا الشعب المكافح على مذبح الانقسامات الداخلية والعربية والتدخلات الإقليمية.
فالنظام العربي الذي تقاعس عن كل تنمية وتطوير واستنهاض، وتنصل من القيام بواجباته الوطنية والعربية والإنسانية، أمعن في قمع شعوبه ومصادرة دورها، وجعلها نهباً للإفقار والفساد، من خلال الاستبداد وكم الأفواه، مما عرض الوحدة الوطنية للمخاطر، وسيّد الدولة الفئوية التي أصبحت ماثلة في معظم أقطار العرب، والتي تفتقد جميعها لحضور الشعب، بعد ضرب حرياته الأساسية والسياسية، وإسقاط كل مظاهر النضال الوطني في سبيل بناء نظام وطني ديمقراطي، كمدخل وحيد لاستعادة الحضور العربي في الساحة الدولية، وتمكين الشعوب من الإسهام في بلورة مشروع عربي يطرح نفسه بوضوح وثقة في ظل احتدام المشاريع الإقليمية والدولية.
أما على الصعيد الداخلي:
فبعد انقضاء عشر سنوات من عمر العهد الجديد، لا تزال بلادنا تتخبط في أزماتها، وتستمر معاناة الشعب من نظام الاستبداد والفساد، الذي عاد من جديد لتجديد وسائله القمعية القديمة في التسلط وانتهاك الحريات، في وقت تزداد فيه أحوال الشعب المعيشية والاقتصادية تدهوراً، بلغ حداً ينذر بالخطر.
وتتابع السلطة نهجها في التضليل والخداع، وإطلاق الوعود الوهمية من مشاريع التطوير والتجديد والإصلاح، وتستمر في كبح إرادة المجتمع في الإصلاح والتغيير، وتقف بالمرصاد لكل مبادرة جدية ومسؤولة في هذا السبيل، وتسوس البلاد والعباد بطريقة قمعية وعبر أجهزتها السلطوية دون أن تقيم وزناً لكرامة الشعب ودوره.
ويأتي ذلك في ظل مناخات دولية وإقليمية بالغة التعقيد، وأوضاع عربية تتسم بالهشاشة وعدم الاستقرار، وفي ظل ميزان قوى مختل لغير صالح بلادنا وامتنا، بحيث أصبحت قضايانا العربية تدار بإرادات ومصالح إقليمية مما يعرض شعبنا وبلادنا لاحتمالات العدوان والتدخل وانتهاك السيادة الوطنية والاستقلال، ويعرض مصالح الشعب وأمنه للمخاطر.
إن استمرار انسداد الافق السياسي والاجتماعي وتفاقم الأزمة الوطنية بات أمراً مقلقاً ويقض مضاجع غالبية الشعب السوري ، ويزيد من عوامل التوتر والاحتقان ، وهذا ما يعظم الشعور بالمسؤولية الوطنية التي يجب أن يتحلى بها كل أبناء شعبنا وقواه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية كافة، ويدفعها للمضي قدماً في رفع راية التغيير الوطني والديمقراطي، وترسيخها في وعي ووجدان المجتمع السوري، عبر وحدة الموقف المتمسك بإرادة الإصلاح والتغيير، والعمل على نبذ الناقضات الثانوية، وتلبية النداء الوطني لبناء سورية الحرة الديمقراطية الكريمة.




















