ترى لو قيض للشاعر إبراهيم اليازجي أن يعيش بيننا الآن ويري كيف يَرتكب بعض العرب المذابح ضد بعض أخوانهم العرب، وإلى أي حال من التخلف والإنحطاط انزلقوا إليه؟ هل كان سيخاطب العرب مثلما خاطبهم أيام كانوا خانغين تحت نير الاحتلال العثماني بقوله: ( تنبهوا واستفيقوا أيها العربُ فقد طمى الخطبُ حتى غاصت الركبُ)..؟
أو هل كان سيعدل من خطابه لهم بالقول: فقد طمى الخطبُ حتى غاصت الرؤوس بدلاً من الركَبُ..؟ أم أنه كان سيخاطب العرب بالنتيجة ذاتها التي وصل إليها الشاعر نزار قباني في قصيدته “متى يعلنون وفاة العرب”؟:
أنا منذ خمسينَ عاما:
أحاولُ رسمَ بلادٍ
تُسمّى – مجازا – بلادَ العربْ
رأيتُ العروبةَ معروضةً في مزادِ الأثاث القديمْ…
ولكنني…ما رأيتُ العَرَبْ!!…
أم كان سيكتفي بمخاطبة العرب بما سبق أن قاله الشاعر عمر بن ربيعة الكعدي قبل ألف وخمسمائة سنة؟:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نار نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد
في الحقيقة والواقع لم يبق لنا رُكَََبُ ولا أرجل ولا وجوه ولا حتى عقولاً، فالخطب قد طمى حتى غاصت الرؤوس.. والكلمات تعجز عن وصف الحالة التي وصل إليها العرب، فكيف الحال بوصف مذبحة أبطالها عرب وضحاياه عرب من أطفال ونساء ورجال دين كانوا يصلّون في كاتدرائية سيدة النجاة ببغداد عاصمة العراق المحتل، هذه المذبحة التي تتجاوز في طريقة تنفيذها وحجم الضحايا بشاعة القتل الجماعي بإرهاب التعصب والعمى السياسي.
إنها جريمة ليست ككل الجرائم العادية، بل هي ترقى إلى حدود جرائم الإبادة الجماعية التي تتجاوز في نتائجها وأثارها هذه الطائفة أو تلك لتصيب في الصميم جميع من يعيشون على أرض العراق.
فالاستهداف الدموي المباشر للمسيحيين في العراق، إنما هو استهداف لتاريخ العراق ولهوية العراق الوطنية، وهو استهداف لشعب العراق بجميع مكوناته، إنه استهداف لماضي العراق المشترك الموحَّد والموحِّد، واستهداف لحاضر العراق ومستقبله.
ولن يكون العرب بمنأى عن استهدافات تلك المذبحة المروعة وما وسبقها وما تلاها من تفجيرات طالت مختلف مكونات الشعب العراقي، إذ سرعان ما تناثرت أشلائها المضرجة بالدماء على كل أرض عربية من المحيط إلى الخليج العربي، فالعواصم والمدن العربية وقراها وساحاتها وأحيائها وشوارعها أصبحت مكشوفة وعارية أمام هول هذه المذبحة وتلك التفجيرات.
فأي مستقبل أسود ينتظرنا نحن العرب؟ ونحن ما زلنا نعيش كمن يعصب عينه، ويصم أذنيه عن ما يجري حوله وخلفه وأمامه في دنيا العرب والعالم، فلا ساكن يتحرك تجاه من يصرّ على اغتيال هويتنا الجامعة، وأحلامنا وأحزاننا وأفراحنا.. في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وصولاً إلى السودان وحتى موريتانيا والصومال… وقتل طموحاتنا بقيام دولة مدنية تحترم مواطنيها بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية والمذهبية والسياسية ..الخ
فالهواء الذي نتنفسه أصبح اليوم فاسداً ملوثاً بالبغضاء والكراهية والغل، ومع ذلك لا حياة لمن تنادي، لا أحد يتحرك لوقف هذا التدهور الحاصل في حياتنا وسلوكنا، نسير باقتدار نحو الهاوية، وكأن ما يحصل لا يعني أحداً ممن يملكون ويمسكون بمقدرات بلداننا العربية، ولا حتى تلك القوى والأحزاب التي ترفع شعارات كبيرة في الوحدة والتحرر والحرية والديمقراطية، مع أن الكارثة التي نشهد ويشهدون فصولها وأحداثها وهي تجري أمامنا وأمامهم لن تستثني أحداً، بل ستفتك بالجميع دولاً وأحزاباً وأدياناً وطوائف ومذاهب وستأخذهم في طريقها إلى هاوية سحيقة لا قرار لها.
أقول قولي هذا.. وأتوجه بكلماتي هذه إلى من يشاركني هذا الهم إلى جميع الناس كل الناس في بلاد العرب أوطاني، وقبل فوات الأوان، وقبل أن تأخذنا الكارثة بطريقها، أن نعي خطورة ما نحن فيه من أجل حماية مستقبل أبنائنا وأحفادنا في أوطاننا على أساس من المحبة والتضامن والمساواة وبعيداً عن البغضاء والكراهية والغل..




















