يعود لبنان الى دائرة الخطر، إلا إذا أنقذته مظلة الأمان العربية التي يعوّل عليها كثر من القادة اللبنانيين، أي التفاهمات السعودية – السورية التي أطلقتها القمة الثلاثية بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس السوري بشار الأسد والرئيس اللبناني ميشال سليمان في 30 تموز (يوليو) الماضي.
واستشعار الخطر الذي يمكن أن يتعرض له لبنان من قبل المواطنين العاديين ومن قبل الزوار العرب العاديين ايضاً، قبل المسؤولين السياسيين، ناجم عن حسٍّ عفوي وشعبي كافٍ لاعتبار مستوى التأزم السياسي الذي وصلت إليه المواجهة بين الفرقاء في لبنان، جرس إنذار لقدوم هذا الخطر.
وإذا كانت اللعبة السياسية القاضية بإيصال الأمور الى حافة الهاوية في ممارسة الضغوط من قبل الفريق الأقوى على الأرض نتيجة امتلاكه السلاح، أي من «حزب الله» وحلفائه في المعارضة، تدفع أحياناً بعض الأطراف في قوى 14 آذار الى التقليل من أهمية هذه الضغوط للإيحاء بأنها لن تدفعها الى تغيير موقفها فتضعها في خانة التخويف والتهويل، فإن هذا لا يعني ان مخاطر ما يحذّر منه الفرقاء أي «الفتنة» باتت مستبعدة.
فالواقع يشير الى ان لبنان في خضم حراك سياسي وصراع متنام يشبه ما سبق أحداث 7 أيار (مايو) 2008 حين استخدم الحزب سلاحه في الشارع لتحقيق مطالبه السياسية مدعوماً من إيران وسورية. وعلى رغم ان قيادة الحزب تطمئن البعض الى ان 7 أيار لن يتكرر، فإن بعض قيادييه لا يتوقف عن تكرار القول والممارسة بأن «من لديه القدرة على صناعة الحقائق الميدانية هو الذي يقرر في السياسة». ولا أحد غير الحزب قادر على «تغيير الحقائق الميدانية» التي هي الوجه الآخر لتغيير الوقائع السياسية، وبهذا المعنى فلا مجال للتواضع عند قيادة الحزب، وما يعنيه قادته هو ان ما يأمل به البعض من وجوب فصل قوته الردعية في مواجهة إسرائيل عن الصراع الدائر في إطار موازين القوى الداخلية، هو نوع من السذاجة. إنه الوجه الآخر لاعتقاد زعيم «التيار الوطني الحر» بأن «فريقنا انتصر وعلى الآخرين ان يسلّموا بهذا الانتصار».
هذه هي المعادلة التي كانت قائمة قبل أيام من 7 أيار: المعارضة تعتبر نفسها المنتصرة وقوى 14 آذار لا تعتبر نفسها المهزومة إذا كان «حزب الله» وحلفاؤه استطاعوا إفشال الأميركيين والإسرائيليين وتفوقوا عليهم. وهذا ما اضطر الحزب لاستخدام القوة التي تدخلت تسوية اتفاق الدوحة الى وضع حد لاستخدامها في تغيير الوقائع السياسية. أليس تكرار الصورة الآن هو الذي دفع براعي اتفاق الدوحة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الى التذكير بوجوب احترام هذا الاتفاق؟
يقود ذلك الى الحديث عن الضغوط، من يتعرض لها وممن تُمارس ولأي سبب؟ ففي وقت تفرض الوقائع نفسها في التسلسل الزمني للضغوط، فإن منطق القوة يفرض ترتيباً مختلفاً لتوالي الضغوط، وبالتالي للوقائع. فرئيس الحكومة سعد الحريري بدأ يتعرض للضغط منذ موقف «حزب الله» الشهير ضد المحكمة الدولية مطالباً الحريري بموقف ضدها منذ 18 تموز (يوليو) أي قبل 5 أشهر. وتوالت المطالبات له بالتنكر للمحكمة الى ان أبدى استعداداً للتسوية حول هذا الأمر بإعلانه في 6 أيلول (سبتمبر) العودة عن الاتهام السياسي لسورية باغتيال والده وإدانته شهود الزور، الذي قوبل بصفعات تتالت كل يوم، وكان أبرز مظاهرها تحدي سلطة الدولة في مطار بيروت الدولي ومذكرات التوقيف السورية التي شملت عدداً واسعاً من فريق الحريري، فضلاً عن تعطيل إقرار الموازنة واشتراط تحقيق مطلب المعارضة حول شهود الزور للإفراج عن مجلس الوزراء، على رغم ان الحريري أعلن موقفاً جديداً الأسبوع الماضي في لندن حين قال انه لا يعتقد أن للرئيس الأسد علاقة باغتيال والده.
يكرّس التعامل بالقوة مع الوقائع السياسية اللبنانية والسعي الى تغييرها بفعل القدرة الميدانية واقعاً واحداً هو الإمعان في القهر، الذي لا يولّد إلا أشكالاً من الاعتراض والانتفاض ثم الانفجار…
“الحياة”




















