كاتبة لبنانية – السويد
الطائفية بنية سياسية مركبة شديدة التعقيد في تكوينها الداخلي وتركيبها الاجتماعي والسياسي وفي بناء شبكة علاقاتها الداخلية والخارجية من حيث توزيع المهام والوظائف السياسية وتقاسم المصالح والنفوذ للفئات الاجتماعية الفاعلة فيها. فهي تنتعش في ظل أزمة وطنية عميقة أو مشروع سياسي مدني أو دولة معاصرة, منفتحة على القوى والفئات الاجتماعية المتعددة, التي تشمل كل أطياف المجتمع. فهي علاقة سياسية ما تحت وطنية, ما تحت سياسة, علاقة مشبوهة, مشوهة بين أبناء النسيج الوطني الواحد. هي حالة انكشاف وتعرية للواقع الاجتماعي والسياسي في بلادنا, عدم قدرته على التصالح مع ذاته أو في التعبير عن نفسه سياسياً واجتماعياً بشكل سوي. فالطائفية مفهوم سياسي غامض, ملتبس, مفهوم دخيل على السياسة والفكر, تنتعش وتعيش في البلدان ذات التكوين الاجتماعي المخلخل, المتأخر, المتخلف في بناه السياسية والاجتماعية والاقتصادية. أو هي تعبير حقيقي عن تأزم المجتمع وانسداد آفاقه, في انفصاله عن ذاته, عن العالم الحديث سياسياً وثقافياً وقانونياً, عن واقعه, عن علاقاته الطبيعية في حدوده السياسية. إن البلدان التي ابتلت بالطائفية, ضاعت منها نهائياً فكرة المواطنة ودولة القانون والمجتمع المدني لصالح الهشاشة الاجتماعية والعزلة الفكرية والفلسفية. فالطائفية تستند في عمقها على البعد الديني و الأثني, في تمركزها على البعد التاريخي, وفي اتكائها على الماضي, في تموضعها ووجودها واستمراريتها, لكنها في حالة انفصال عنها عملياً, ومستقلة عنها موضوعياً. هي العلاقة السياسية الأكثر انطوائاً على الذات والأكثر قلقاً على وجودها وأمنها وأكثر اشتغالاً على التفارق ما بين الواقع والفكر الذي يعبر عنها . تنتعش وتسرح وتمرح في ظل غياب الدولة المدنية اللاحمة, الهاضمة, الضامنة للعلاقات الاجتماعية, القادرة على ربط المجتمع بها وتأمين مصالح جميع الفئات الاجتماعية دون تمييز بين زيد أو عبيد من الناس. فالطائفية السياسية قادرة على العيش والبقاء في ظل بناء سياسي ماضوي قائم على غياب الانتماء الوطني والانفصال عن اللحمة بين الجماعة الوطنية الواحدة. فهي شبكة من التحالفات السياسية المزيفة والانتماءات الهشة والضيقة, أي هي علاقة زبونية, منفعية, يغلب عليها الذاتوية, النرجسية, المؤقتة, علاقة قائمة على جملة تحالفات داخلية وخارجية مشبوهة, هشة, تتغذى منها وعليها, وتنتعش في ظلها من أجل تامين الشروط الأكثر نفعية لمصالح الفئة الاجتماعية النافذة. أي, هي وظيفة سياسية مؤقتة, تنمو في ظل غياب دولة ذات بنيان وطني حديث ودليل على هشاشة الدولة وضعف هيمنتها وسيطرتها على المجال الوطني. فالدولة الضعيفة مثل الجسم المريض مدخل للعبث فيها من قبل قوى سياسية لا يهمها إلا مصلحتها السياسية والشخصية على حساب النسيج الاجتماعي والدولة.
ليس بالضرورة أن تتحول الطائفية إلى علاقة سياسية واضحة, من الممكن أن يكون ميدانها اجتماعي, أي علاقة بين جماعة اجتماعية منحدرة تاريخياً ترتبط ببعضها عبر علاقة الدم والقرابة تستخدم السلطة لمنفعتها من أجل الحصول على المال العام والنفوذ بطريقة سريعة.
ففي البلدان التي تبتلي بالطائفية تجعل مجتمعاتها مزعزعة, دولها ضعيفة كيانياً, غير مستقرة سياسياً وأمنياً, تتحول إلى عائق أمام التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي, وحجر عثرة أمام تحقيق وتائر التنمية الاجتماعية والاقتصادية. مما يجعل هذه البلدان تدفع أثمان غالية من حسابها الذاتي في الانشغال على مشاكلها الاجتماعية المستعصية, بل تتحول إلى ورقة, لعبة للقوى الإقليمية والدولية للدخول في حياتها الداخلية وفي عمق كيانها السياسي, من أجل ملء الفراغ السياسي الذي ينجم عن إخفاق الدولة في تحقيقه, فتتحول إلى فجوة يملئه الآخرين نفوذهم فيها وتفريغ أزماتهم السياسية وخاصة الدول المجاورة التي تحول إخفاقاتها السياسية في الداخل إلى مكاسب سياسية في الخارج.
فالطائفية كتكوين مشوه, طاردة لأي مشروع وطني متبلور أو دولة وطنية متكورة, جاذبة, رافعة لمشاريع وطنية على المستوى الاقتصادية والسياسي أو فاعل لتحقيق مشروع حداثة معاصرة تتطور بموازاته قواها السياسية والاجتماعية. فهي تقزيم للسياسة, كابح للتفاعل السياسي وتوازن القوى وتوزيع المهام الاجتماعية على المستوى الأفقي للمجتمع. تخرج من ميدانها الاجتماعي لتتحول إلى علاقة سياسية لفئة خاصة, فئة منتفعة لها مصالحها ومكاسبها السريعة تحققه من خلال سيطرتها على السلطة. أي, هي منظومة متحجرة, خندقية, عصابية منغلقة ترى في الآخرين أعداء محتملين أو أعداء تحت الطلب في سعيها الحثيث للتكسب من علاقتها بالسلطة أو الاستفادة من تناقضات الواقع المحلي والمحيط الإقليمي والبعد العالمي. فالولاء الأول للحلقة المنغلقة سياسياً, للمصلحة الآنية, البعيدة عن لغة الحياة المعاصرة والدولة الحديثة.
فالقوى الطائفية الحديثة, والبيوتات الطائفية الوراثية, يستخدمون فكرة الدولة, والسيادة الوطنية بطريقة برغماتية شديدة العفونة لإدارة مصالحهم الخاصة عبر الصراع السياسي والعسكري وفق أجندة داخلية وخارجية شديدة القذارة, مستنقعية, عبر بوابة خلفية للسياسة, في حركة طاردة للحمة الوطنية والنسيج الوطني. فالدولة القائمة على تنازع طائفي وفق دستور أو عقد سياسي معزز بدعم أمريكي وغربي يجعل المستوى الوطني في حالة غياب تام, ويدفع مستقبل الحدود السياسية لوطنهم إلى مجاهيل السياسة ونزاعات القوى العالمية النافذة والمحركة لها.
هناك بؤرتان في المنطقة, لبنان والعراق تتموضعان على توزعات طائفية معترف بهم سياسياً من قبل دستور الدولة والدول الغربية, تعبران عن مصالح الطبقة السياسية المستقلة عن المجتمع. فكل طائفة هي أشبه بدولة داخل دولة, يتحول المجتمع فيها إلى رهينة أو دمية تتلاعب بها النخب في تزييف حقيقي للواقع وللحياة السياسية. مشروع مدمر لأي آفاق سياسية مستقبلية أو للعمل الوطني. فبدلاً من التطلع إلى البناء الداخلي والانفتاح السياسي الشفاف, ينغمس المجتمع في أزمة وطنية عميقة, مستعصية على الحل. ربما تحاول بعض القوى الوطنية الخروج منها لكن عطالة المجتمع وسيطرة العقلية الطائفية تجعل هذا الأمر عسيراً, مما يؤدي إلى انغراس الجميع في هذا الوحل السياسي. فالطائفية هي عبء على المجتمع وكابح لتطوره, معيق لتطور مكونات المجتمع الواحد, المتعدد الأديان. أي يتحول المجتمع الواحد من علاقة أخوة, ذي ثقافة وهوية واحدة إلى مناطق نفوذ ومجال حيوي للتوسع. وتتحول الدولة في هذه الحالة من موقع جامع للبنية الاجتماعية إلى وكر خلفي للتناقضات السياسية الرخيصة, وراعي منظم لعلاقاتها. بل تتفرغ الدولة من مهامها ومضمونها الاجتماعي كراعية للصالح العام وإدارة شؤونه وتحقيق أمانيه إلى دولة عطالة دائمة, بعيدة عن التوازن بين الصالح العام والخاص وتوزيع مهامه.
فالطائفية هي تضامنات إيديولوجية و ولاءات عقلية قبلية ذات صلات ماضوية قائمة على رابطة الدم والقرابة كبديل عن منظومة أفكار الحداثة والقانون والعقد الاجتماعي والدولة الحديثة والتضامن الوطني. وهي مشروع مدمر للحياة الطبيعية بشكل ممنهج مرتكزة على بنى سياسية هشة ودولة ضعيفة التكوين, فارغة من محتواها السياسي.




















