المحصلة العامّة لسياسات الرئيس الأميركي باراك أوباما مع نهاية السنتين الأولييْن كانت الفشل، أو في الأقل عدم النجاح والدوران في المكان.
أولاً: داخلياً جاءت نتائج الإنتخابات النصفية للكونغرس لتشهد على انخفاض شعبيته وعلى هزيمة قاسية مُنِيَ بها حزبه الديموقراطي لا سيما حين فَقَدَ الغالبية في مجلس النواب.
ووصل الأمر في تقديرات الكثيرين من الخبراء في الوضع الأميركي الداخلي إلى توقع سقوطه في الإنتخابات الرئاسية المقبلة. فمشروعه للضمان الصحي أثبت أنه محدود الأثر، وقد جاءت دعايته أكبر من فعله، وهو ما عكس نفسه على الإنتخابات وإن كانت المراوحة في المكان بالنسبة إلى الأزمة الإقتصادية هي التي لعبت الدور الأكبر في نتائجها.
كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق صرّح بأن أوباما فَقَدَ التركيز وأساء تحديد أولويات سياساته الداخلية، إذ كان عليه أن يعطي الأولوية لمعالجة الأزمة المالية-الإقتصادية.
الطاقم الإستشاري والتنفيذي الذي عمل معه خلال السنتين الماضيتين يعيش حالة إرتباك، وعدم يقين، بدليل ما قُدِّم من استقالات في بعض المواقع الرئيسة. ولكن الأهم كون مبعوثه الخاص جورج ميتشل في حالة ضياع ويتهيّأ للإعتزال. فقد جاء بجورج ميتشل ليحقق له إنجازاً مدويّاً في مسار التسوية السياسية ولا سيما على المستوى الفلسطيني، أولاً. ولكن تبيّن أن أوباما كان ضعيفاً أمام نتنياهو واللوبي اليهودي الأميركي بدليل تراجعه المستمّر في موضوع الإستيطان. فقد تراجع عن مشروعه الأول، ثم الثاني البديل، ثم الثالث البديل. وكان ذلك فقط من أجل إطلاق المفاوضات. والآن انتهى به الأمر إلى تلبية طلب اللوبي اليهودي الأميركي في عدم التقدّم بأيّ مشروع قبل أن يتفاهم مع نتنياهو عليه أولاً. وهو ما فعله خلال الأسابيع الأربعة الفائتة حين دارت المفاوضات ثنائياً بين إدارته وحكومة نتنياهو، وبعد ذلك أرسل مبعوثاً من الدرجة الثانية ليطرح ما اتفق عليه أوباما-نتنياهو على محمود عباس.
ومن هنا يمكن القول إن وجود جورج ميتشل، فقدَ معناه، أو الغاية الأساسية منه. فهذه المهمة يمكن أن يقوم بها أي موظف في وزارة الخارجية، مما يفترض استقالته. وإذا لم يحدث ذلك سيكون لدواع خارج السبب الذي جاء به أصلاً.
ثانياً: أما على مستوى المحاور الأخرى في العلاقات مع روسيا والصين وأوروبا، أو في التعاطي مع الورطات العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان وباكستان فأوباما وإدارته في حالة تخبّط وعدم قدرة على إنفاذ ولو الجزء اليسير من الأهداف الأميركية. وهو الحاصل أيضاً في التعاطي مع مجموعة العشرين للخروج من الأزمة المالية-الإقتصادية العالمية، ناهيك عن الفشل الآتي للهجمة الأميركية في لبنان.
ثالثاً: المكان الوحيد الذي يتنمّر فيه أوباما ويستأسد هو مشروعه لتمزيق السودان مبتدئاً بالجنوب وأبيي لينتقل بعد ذلك إلى دارفور وكردفان صعداً إلى الهدف الأميركي-الصهيوني الأول وهو تمزيق مصر نفسها.
إذا كان ثمّة اعتراف بأن مشروع الشرق الأوسط الكبير قد فشل إلاّ بحدود الآثار المدمّرة التي نجمت عن احتلال العراق من جهة تفجّر الإنقسامات الداخلية والفتن الدينية (الإعتداءات المشينة على المسيحيين)، والطائفية بين الشيعة والسنة، والإثنية بين الكرد والعرب، فإن المشروع نفسه راح يعمل على جبهة السودان وبدرجة عالية من الإختراق.
لقد وصلت الوقاحة في الكشف عن السياسات الأميركية القذرة في تمزيق السودان أن أعلنت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية في 16/11/2010 أن أمام حكومة السودان إغراءات أميركية كبيرة إذا ما سهّلت الإستفتاء، بما يحقق فصل الجنوب وأبيي عن الشمال، بما في ذلك رفع اسم السودان عن قائمة دعم الإرهاب، وإلغاء العقوبات، مع إشارة مبطنة بإنهاء موضوع المحكمة الجنائية، فضلاً عن تقديم “مساعدات” مالية.
هل هنالك ما هو أقبح من أن تعترف هيلاري كلينتون بأن إدراج السودان في قائمة دعم الإرهاب، وبأن قرارات العقوبات ثم المحكمة الجنائية واتهامها عمر البشير الرئيس السوداني لم يكن له من هدف عملياً غير استخدامه لإخضاع الحكومة السودانية وتمزيق السودان؟
إن إقامة الدويلات الفسيفسائية هي التربة الأمثل لتفجير الصراعات الداخلية والإنقسامات والفتن، وهي المجال الأفضل للإختراق الصهيوني والتحوّل إلى مستنقع يُنبت الأوبئة. وذلك بالحتم والضرورة بسبب الحاجة إلى الحماية الخارجية كما الحاجة إلى الإستقواء على “أعداء الداخل” أو “الأعداء” المجاورين.
والخطة الأميركية للسودان لن تقتصر على فصل الجنوب وأبيي عن شماله، وعلى التمدد شرقاً وغرباً، بل ستصعد شمالاً لتضرب مصر نفسها. وستعود شظاياها لترتدّ على عدد من بلدان المغرب والمشرق العربيين كذلك.
من هذا الوعي يجب أن يبدأ الردّ سودانياً وعربياً وإسلامياً على أوباما وإدارته وسياساتهما في السودان، فلا يُسمح لهما بالإستفراد به، وهذا ممكن إذا ما أدخلنا في الحساب تدهور الوضع الأميركي في كل الجبهات والمجالات. فحرامٌ أن لا يلقى المصير نفسه في قضية السودان.
( كاتب وقيادي فلسطيني)
“النهار”






