لعل الأسوأ في تفسيرات عربية لوثائق «ويكيليكس»، هو ذلك الاندهاش من «اكتشاف» الاسرار الاكثر شيوعاً في منطقتنا. ومن ثم البناء عليها من اجل تأكيد المعلوم من المواقف واستخدامها في مواجهة الخصوم. ولسان حالها: «ألم نقل لكم ذلك؟ اذاً، نحن على صواب وأنتم على خطأ. فانضموا الى وجهة نظرنا».
مثلاً «اكتشفت» هذه الفئة من التفسيرات ان الولايات المتحدة تدعم اسرائيل، وأن البلدان الخليجية قلقة من تضخم الدور الايراني، وأن الدولة العبرية تسعى الى القضاء على القوة المسلحة لـ «حزب الله»، وأن المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يتحادث مع مسؤولين عن سير التحقيق، في اطار مهمته وتكليف مجلس الامن الذي يطالبه بطلب المساعدة من اي مصدر كان… الى ما هناك من «اسرار شائعة» عن بلادنا وسياسييها.
لكن الامر لا يتوقف هنا. فعندما تتطرق الوثائق الى اصحاب هذه التفسيرات، تصبح تلفيقاً وكذباً وبهتاناً. اي يختار هؤلاء من الوثائق ما يناسب مواقفهم ويتهمون بالتلفيق ما يعارضها. فالعدو او الخصم الذي هو مصدر الوثائق آن صادق وملفق، بحسب الحاجة السياسية.
وفي الوقت الذي لم نر في الوثائق الا ما يمكن توظيفه سياسياً، تشكل نصوصها وما ورد فيها نموذجاً لكيفية عمل الديبلوماسية الاميركية. فهذا الكم الهائل من التقارير عن كل ما يمكن ان يسمعه مسؤول اميركي في العالم، وهو في معظمه من نوع احاديث المقاهي، لا يظهر له اثر في تقرير السياسة الاميركية. خصوصاً اذا نظرنا الى التقويمات المتعلقة بشركاء الولايات المتحدة في العالم. فالأحكام السلبية في معظمها، والتي طاولت مسؤولين في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا وليبيا وأفغانستان… لم تنعكس على القرار في العلاقات السياسية الاميركية مع هذه الدول. وهو قرار يتحدد، في اي حال، استناداً الى محادثات رسمية تأخذ في الاعتبار معطيات كثيرة وليس مجرد ملاحظات عامة تقال في هذا المجلس او ذاك.
لكن ما يطرحه نشر هذه الوثائق، التي لم تنف الولايات المتحدة مضمون اي منها، في مكان آخر. انه في كيفية التعامل مع هذه الحالة غير المسبوقة لنشر وثائق تعتبر سرية، بغض النظر عن مضمونها.
فصاحب موقع «ويكيليكس» الاوسترالي جوليان اسانج مُلاحق الآن في قضية اغتصاب وليس في قضية نشر الوثائق. على ان تكون ملاحقته في هذه القضية الاخيرة بعد انتهاء التحقيق الاميركي في كيفية تسرب هذه الوثائق ولتحديد مدى مسؤولية الموقع في التسريب، وما اذا كان من الممكن اتهامه بالتجسس، وتالياً الخضوع لنص قانوني يعاقب هذه الممارسة.
وهذا يعني ان ثمة فراغاً قانونياً، او ان الجانب القانوني غير واضح المعالم في شأن نشر هذه الوثائق. والدليل ان كل صحف العالم، ومنها في اميركا وأوروبا، نشرت مقتطفات منها من دون ان تتعرض للمساءلة او الملاحقة القانونية، على رغم الاستياء الرسمي الكبير المعبّر عنه في الردود على النشر.
وهذا يطرح مشكلة ايجاد نص قانوني يتعلق بهذا الشأن، وكيفية ايجاد توافق عليه عابر للدول، ومدى توريط الامم المتحدة بقرار دولي ملزم، كما حصل بالنسبة الى مكافحة الارهاب مثلاً.
في موازاة ذلك، ثمة من يعتبر، خصوصاً في الولايات المتحدة، ان ثمة ضرراً قد يلحق بأفراد من خلال قيامه بواجبات مسؤولياتهم، من جراء نشر هذه الوثائق. ما يثير مسألة اخلاقية – مهنية تتعلق بنشر نوع معين من المعلومات، ومدى تطابق المعايير المهنية مع الاعتبارت الاخلاقية والانسانية. وهذه المسألة مطروحة على ناشر «ويكيليكس»، كما هي مطروحة على الذين يستغلون النشر لأهدافهم السياسية.
“الحياة”







