بات من المسلم به لدى المهتمين والباحثين في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية السورية ، بأن التلاعب بالأرقام الرسمية المعلنة صار حقيقة واقعة . لذلك فهم لا يركنون اليوم إلى الأرقام والنسب والبيانات التي تصدرها الجهات المختصة ، حتى ولو كانت صحيحة . فالتزوير والتدوير والتحوير هو القاعدة الثابتة ، وما قول الحقيقة إلا استثناء عابراً ، يجهد لكي يثبت نفسه في ركام الأرقام المفبركة والحقائق المحرَّفة والوقائع النابتة من الأحلام والرغبات والنوايا .
وبعد أن درجت تلك الجهات على اعتماد نوعين من الإحصائيات ، واحد معد للتصدير ومخصص للنشر ، يظهر أن الوضع عال العال ، ويعبر عن النجاحات والإنجازات ونسب تنفيذ الخطط التي تبلغ 100% وأحياناً تتجاوزها . ونوع آخر من الإحصائيات يبقى حبيس الأدراج ، لأنه يعبر عن حقيقة الواقع ، ويشير نظرياً إلى نوعية وكمية التردي العام في الاقتصاد الوطني والأوضاع المعيشية للشعب ، مثلما هي بالفعل في الحياة اليومية والأوضاع العامة بالبلاد . بعد ذلك ألا يحق لأي مواطن أن يقول : مَن يصدق مَن ؟ !
غير أن الفترة الأخيرة شهدت تطوراً ملحوظاً في هذا المنحى ، تمثل باختلاف التقييم الذي يصل إلى حد التناقض بين المسؤولين وأصحاب القرار في التعبير عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية . يتباينون فيما بينهم بالتصريحات ، ويتجاهلون أرقاماً سابقة معتمدة ، تم إعلانها من جهات رسمية ومسؤولة . وينسون أو يتناسون معطيات الخطط المنصرمة والخطط القادمة ، والتي وضعت تحت إشرافهم وبتوقيع أقلامهم . وكأنهم يعتقدون بأن الشعب لا يقرأ ، فاستسهلوا نشر الأرقام والأوهام على عواهنها ، وأطلقوا التفسيرات والتبريرات التي لا تنطلي على أحد ، بغية التستر على عجز وتقصير أو اختلاق إنجاز مدَّعى .
ففي الوقت الذي يعلن فيه رئيس الحكومة عن ” تحقيق نهضة زراعية حقيقية ، تمثلت نتائجها في زيادة الإنتاج والطاقة الإنتاجية الزراعية وارتفاع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي ” . يتحدث نائبه للشؤون الاقتصادية في معرض عرضه للخطة الخمسية الحادية عشرة عن ” انخفاض حصة الزراعة من الناتج المحلي الإجمالي من 25% إلى 21% خلال الخطة الخمسية العاشرة . وظهر ذلك عبر انخفاض مطلق في الإنتاج الزراعي لبعض المحاصيل الرئيسية ونمو باقي القطاعات بوتيرة أعلى من معدل نمو الزراعة ” .
ومثلما لا يتردد رئيس الحكومة في القول بأن ” سورية أولت عملية التنمية الزراعية كل اهتمامها ، وأن القطاع الزراعي يعد أحد ركائز ودعائم الاقتصاد الوطني وسيبقى موضع دعم وهدفاً رئيسياً في خطة الدولة وبرامجها التنموية ” . كذلك لا يتردد السيد النائب في القول بأن نمو قطاعات الاقتصاد الأخرى بأعلى من معدل نمو الزراعة ” سيستمر للعقود القادمة ” ، وأن الاقتصاد السوري يحتاج إلى ” تغيير جذري في نمط الإنتاج والإنتاجية الزراعية للاستمرار بتامين الأمن الغذائي ” . وأشار إلى ضرورة تغيير وتنويع مصادر النشاط الاقتصادي في الريف ” لأن الزراعة لم تعد تكفي ” .
فعن أي نهضة زراعية يتم الحديث إذن ؟ !
وهل هذا جل الاهتمام المدعى بعملية التنمية الزراعية ؟ !
وكيف نفسر بعدها هبوط معدل نمو الزراعة بين الخطة الخمسية العاشرة والحادية عشرة من 4% إلى 2،2 % ؟ !
وإذا أضفنا لها انخفاض معدلات نمو الصناعات التحويلية من 15% إلى 13% ، فأي أمن غذائي تبشر به السلطة مواطنيها ؟ !
وحسب الإحصاءات الرسمية ، فقد قدر عدد العاطلين عن العمل عام 2005 بنصف مليون ، بينما يتجاوز العدد اليوم 1،5 مليون عاطل عن العمل ، مع إضافة 250 ألفاً هو عدد الوافدين الجدد إلى سوق العمل سنوياً . هذه الحقيقة الموجعة والتي تشكل غيمة سوداء فوق الواقع الاقتصادي والاجتماعي السوري مجهولة النتائج والعواقب . فهي عند السيدة ديالا الحاج عارف وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل ، لا تعدو كونها شيئاً عابراً سرعان ما يزول . فحسب قولها : ” البطالة في سورية ( احتكاكية ) ناشئة عن عدم توفر فرص اللقاء المناسبة بين العرض والطلب في سوق العمل ” . فالأزمة لا تعدو كونها أزمة لقاء .
حقاً إنه اكتشاف يستحق جائزة نوبل ( للضحك على الذقون ) . فهناك مليون ونصف المليون من الباحثين عن العمل لم يتمكنوا بعد من ” اللقاء ” بمليون ونصف فرصة عمل متوفرة في البلاد . والسيدة الوزيرة كونها مولجة بالأمر ، وهو من صلب مسؤولياتها ، لا تنام الليل والنهار من أجل تأمين هذا ” اللقاء ” .
فسحقاً للبطالة . . .
7 / 12 / 2010
هيئة التحرير







