طه كريم رجب: سيريانيوز 24/ 12/ 2010
تفاجات بالارقام والتحليلات مثل عشرات السوريين الذين سمعوا او قرأو عن نتائج المسح الاخير لمسح دخل ونفقات الأسرة 2009 والذي تم تسميته المسح “الاولي” لدخل ونفقات الأسرة في سوريا.
ولا ادري ان كان سيكون ثمة نتائج ومسوحات ثانوية وثالوثية ورابوعية. وبدل التهليل والاطراق لنتائجه كانت هنالك العديد من التعليقات وردود الفعل “الاولية” لهكذا مسح “اولي” تتساءل وتقول: “شو هالحكي الفاضي” “ومن وين جبتو وعم تجيبو هالارقام الفضفاضة” “ومين مسحتو ومين تركتو” و “عن اي سوريا عمتحكو 2010 والا سوريا 2050
اما الاسئلة “الجدية” على هكذا استبيان فتقول فعلا:
• هل هذه الارقام دقيقة ام انها معدة للتسويق الاعلامي والاستهلاك المحلي
• هل هذه الارقام مستقصدة لاجل التضليل على صناع القرار والمواطنين البسطاء على حد سواء (علما انها صادرة عن مكتب تابع مباشرة لمكتب رئاسة الوزراء)
• ومن ثم ما هي الالية ودرجة الموضوعية والشفافية وراء تلك الاحصائيات
• واخيرا هل فعلا هذا الارقام حقيقية وتعكس حالة مرضية فريدة في العالم حيث مصروف المواطن هو ضعف الدخل (بحسب ذات المصدر للارقام والاحصائيات)
اقول بادئ الامر انه من الخطا الكبير ان ننجر عاطفيا وراء لعبة “التاثير بالارقام” والتي تعني انه ما دامت الدراسة موثقة بالارقام فلا مجال للانكار او الطعن بصدقيتها عملا بقاعدة ان الدراسات المستندة على عمليات رياضية وحسابية تحمل موثوقية شبه مطلقة واكثر اعتمادية من الكلام المرسل او البحث التوصيفي.
وفي هذا الامر مغالطات جمة ليس اقلها القول بانه من السهل اضافة او حذف رقم هنا او هناك لتتماشى مع خط او نهج معين.
دفعتني نتائج هكذا مسح للتوجه للموقع الالكتروني الخاص بالمكتب الاحصائي لاتبين ما الامر.
وقبل الدخول بتفاصيل تقنية اريد ان اسال سؤال بديهي وبرئ: ان كان المركز ذاته قد اصدر من فترة قريبة تقرير الفقر في سوريا حيث اظهرت النتائج التى خلص اليها فريق العمل الى الجزم بزيادة معدلات الفقر بسوريا بنسب ال 30% وال 40% فكيف نفهم هذه الارقام المهولة للمصروف الاسري بالنظرلزيادة معدلات الفقر.
وفي تقارير اعلامية اخرى نجد التالي منقولا عن ذات المصدر:
“أصدر المكتب المركزي للإحصاء مؤخراً مسح قوة العمل لعام 2009 فبينت الإحصائيات أن متوسط الأجر الشهري في العمل الرئيسي للعاملين بأجر (15 سنة فأكثر) حسب النشاط الاقتصادي والجنس بلغ 11.096 ل.س.”
ويكمل الخبر ليقول:
“واللافت أن البيانات الاحصائية لأصحاب الرواتب و الأجور المتدنية مقارنة مع المتطلبات و الاحتياجات و الغلاء بينت أن معدل الانفاق الأسرة السورية قدرته بما لايقل عن 31 ألف ليرة سورية” (منقول).
بعد هذا اريد ان اعرج على خبر قرأته مؤخرا على صفحة قناة الجزيرة وتشير فيه الى كيف ان الكثير من الابحاث العالمية العلمية والطبية منها سواء في امريكا او اوروبة “قد سحبت بسبب تلفيق في البيانات أو تزييف فيها، أي التغاضي عن النتائج التي لا تؤكد الهدف المرجو” (منقول).
ولا اريد هنا ان ارمي الاتهام جزافا فهذا عين الخطأ ولكن اريد ان اعرف كيف تنسجم الاحصائيات الصادرة من المكتب السوري للاحصاء مع الواقع الملموس والمعايش للمواطنين.
الان اذا استعرضنا جزء من البيانات الاحصائية التي وردت في التقرير وهي منشورة على صفحة موقع المركز الاحصائي فاول ما يحيرك هو عدم وجود وحدة للقياس (العملة مثلا) في كل الجداول المرفقة ورغم بديهية القول بانها بالليرة السورية الا ان ذلك لا يعفي اسقاط الجوانب العملية عند اجراء المسوحات.
والاهم من ذلك انه لا يوجد بسط لمفهوم كلمة “أسرة” (هل هي اب وام وكمشة ولاد) ام هو متوسط عددي لتجمع بشري يسمى الاسرة.
ولا شك انه من نافل القول بان عدد افراد الاسرة في الريف السوري لا يزال في معظم الحالات يزيد بالضعف عن مثيلاته بالمدن.
اذا تمعننا بالارقام الواردة بالجدول التفصيلي للمسح المذكور فستتطالعك نتائج ممتعة ومذهلة فعلى سبيل المثال:
في كل محافظات الوطن الانفاق الشهري للاسرة السورية في المدن يزيد بفارق 3 الى 5 الاف ليرة (واحيانا 10 الاف ليرة) عن اهل الريف باستثناء محافظة حمص التي يزيد فيها معدل انفاق اهل الريف ب 2000 ليرة سوريا عن اقرانهم في المدينة واحد اسباب ذلك هو زيادة الانفاق من قبل اهل الريف الحماصنة على مواد العناية الشخصية ( 1292 للريف مقابل 969 لاهل المدن) حسب التقرير طبعا. اعتقد ان في هذا مبالغة فاحشة وتحتاج اعادة نظر مع احترام الجميع.
مثال اخر هو التباين الصارخ بين معدلات انفاق ساكني مدينة دمشق وهي العاصمة السياسية للبلد بالمقارنة مع اهالي مدينة حلب التي تشكل بنظر الكثيرين العاصمة الاقتصادية للبلد (40.573 لمدينة دمشق مقابل 32.305 لمدينة حلب).
يصعب علي تخيل الفارق الضخم بين شمال القطر وجنوبه لحد يبلغ اكثر من 8 الاف ليرة سورية.
مثال اخر عن التناقض الفج في الانفاق بين مدينتي حلب ودمشق هو الانفاق على التعليم وهو قطاع اساسي كما هو معلوم (930 ليرة بمدينة دمشق مقابل 221 فقط لمدينة حلب!!) واشعر بالاسف لاهالي حلب لبخلهم في الانفاق على التعليم وتفضيلهم ملئ البطون بدل العقول. ويكأني بدمشق تحلق وتغرد خارج سرب الوطن رغم تسليمي بحقيقة الغلاء المعيشي داخل العواصم في كل العالم ولكن ليس بدرجات بالغة الحدة لدي مقارنتها مع مدن ضخمة مثل حلب.
بالنسبة للمصروف على الغذاء تبدو النسب متقاربة ومنطقية للغاية حيث نسبة التباين هي من 1000 الى 2000 ليرة سورية ومن البديهي ان يكون انفاق بعض الاسر في الجزيرة السورية اعلى على الغذاء اذا سلمنا بزيادة عدد افراد الاسرة ناهيك عن عوامل الجفاف التي ضربت المنطقة وأصابت الزرع والضرع وجعلت الاعتماد على المنتوج الغذائي المستورد من باقي المحافظات اكثر من المحلي.
الامثلة الصارخة كثيرة ولا مجال لسرد الكثير منها ولمن اراد الاستفاضة في ذلك بامكانه زيارة الموقع الالكتروني للمكتب الاحصائي.
بالختام اريد ان اقول لا شك ان الدراسات والاحصائيات التي لا يرافقها مناقشة منطقية ومعمقة للسلوكيات السكانية قد يصار لها ان ترسل اشارات خاطئة عن بنية المجتمع وما يجري به وهذا الامر ينعكس سلبا على مفاصل كثيرة في المجتمع.
من تلك الاشارات هي الاقرار بحدة حالة الرشوة والفساد دونما تحديد قطاع بعينه ومن تلك الاشارات هي تنامي الصدع بين طبقات المجتمع السوري ريفا ومدنا افرادا وجماعات.
ربما تكون هذه الدراسة علمية وواقعية ولكنها بلا ادنى شك تصلح او ربما تعكس حال وواقع قطاع محدد ومحدود من ابناء الوطن ولا يمكن لها ان تكون شمولية الطرح وترصد فسيفساء هذا الوطن.
* باحث في اصول التربية والتدريس – بريطانيا











