يقفل العام 2010 بالنسبة الى لبنان على تراجع نسبي في التوترات التي شهدها، والتي أنتجت شللاً وانكماشاً اقتصاديين وخللاً في عمل مؤسسات الدولة، بفعل التجاذب السياسي الذي عطّل عجلتها الخاضعة أصلاً لمنطق الحصص الطائفية، والمصالح الضيقة، تحت عناوين الشعارات السياسية الكبرى التي تُستغل من أجل الكسب الرخيص وصغائر الأمور.
والأمل الوحيد للبنانيين هو في تظهير الاتفاق الناجز بين السعودية وسورية، حول سبل معالجة الأزمة اللبنانية الناجمة عن الخلاف على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والتداعيات المستمرة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري قبل أكثر من 5 سنوات.
والواقع انه على رغم ان تظهير هذه التسوية المنتظر مع مطلع العام 2011، سيسمح بانتقال لبنان الى مرحلة جديدة تتيح استئناف نشاط مؤسساته ولو نسبياً، بدلاً من شللها الحالي، فإن هذا لا يعني بالضرورة اختفاء هذه التوترات في شكل كامل، لا سيما ان صدور القرار الاتهامي عن الادعاء العام الدولي في المحكمة الخاصة بلبنان سيدفع بالمتهمين الى خطوات في سياق الدفاع عن أنفسهم، تبقي البلد عرضة للتجاذب الداخلي والإقليمي. إلا ان اتفاق «س. س» الذي يتغنى القادة اللبنانيون بأهميته، وينشدونه منذ سنوات، سيكون ضابطاً لردود الفعل ووسيلة احتواء للتوترات المحتملة التي يمكن ان يفرزها في سياق رفض فريق المعارضة للاتهامات التي سيتضمنها.
وإذا كان اتفاق «س. س» المنتظر يقوم على الفصل بين مسار المحكمة وبين مسار العلاقات الداخلية اللبنانية، وأدوار القوى الإقليمية والدولية المعنية بالداخل اللبناني كساحة نفوذ كانت ميداناً للصراعات الخارجية خلال السنوات الخمس الماضية، فإنه يقود الى تموضع جديد للقوى المحلية والقوى الخارجية على هذه الساحة.
ومع ان الاتفاق الموعود، الذي يقول القادة العارفون انه منجز، لم يعلن بعد، فإن القوى المحلية والخارجية أخذت تتهيأ لما بعده، من زاوية التنافس على الأوزان والأحجام والنفوذ والأدوار في المعادلة الجديدة التي ستنتج منه.
ويسود الاقتناع الضمني لدى فرقاء لبنانيين كثر، بأن التموضع الجديد يقضي بتكريس حجم قوى عدة، في مقدمها رئيس الحكومة سعد الحريري، وبتقليص نفوذ قوى أخرى اقتضت المرحلة السابقة تقدمها على المسرح السياسي. بل ان مواقف بعض القوى المحلية الراهنة، هي من باب التحسب للمرحلة المقبلة لاستشعارها بوجوب حماية موقعها، أو بحاجتها الى الإفادة من الفرصة للتقدم على منافسيها.
وليس بعيداً من ذلك، الهجوم الذي تعرض له موقع رئيس الجمهورية ميشال سليمان وموقفه من الصراع الدائر خلال المرحلة السابقة على التوصل الى الاتفاق، الذي سيترافق تطبيقه، إذا أُعلن، مع صراع الأحجام والأوزان. وتشكل الساحة المسيحية حلبة أساسية لهذا الصراع، ورئاسة الجمهورية منها، ما يجعل هجوم زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون على سليمان في هذا الإطار، من دون ان يلغي ذلك مخاوف قوى وطموحات أخرى على الساحة الإسلامية.
فقوى المعارضة تعتبر ان اتفاق «س. س» سيكرّس لسورية دوراً ونفوذاً معترفاً بهما من الفريق الثاني في الاتفاق، أي السعودية، ومن الدول الأخرى التي ساندته، وبأن لا بد لحلفاء دمشق من ان يقطفوا ثمار هذا التكريس، في مقابل اعتقاد قوى الأكثرية و14 آذار ان التسوية لا تعني تفويضاً جديداً لسورية لإدارة التوازنات الداخلية كما في السابق، أي قبل العام 2000.
تلغط الدائرة الضيقة من الوسط السياسي اللبناني بالكثير من التوقعات والمراهنات، لمرحلة ما بعد الاتفاق، ومقابل الاعتقاد بأنه يؤدي الى احتواء الصراع السني – الشيعي في لبنان في شكل مريح لدمشق، فإن صراع المواقع على الصعيد المسيحي قد يكون عنوان المرحلة. ويذهب البعض الى حد الحديث عن التغيير الحكومي وتعديل الحصص فيه مسيحياً، فمقابل اعتقاد الرئيس سليمان ان لبنان «يدير شؤونه بنفسه منذ عام 2008 امنياً وإدارياً»، يعتبر بعض القادة المسيحيين من حلفاء دمشق، أنه حان وقت قطاف ثمار وقوفهم الى جانبها، الى درجة عودة بعضهم الى النغمة القائلة بأن سليمان لن يكمل ولايته، وإلى توقع تغيير جذري على الصعيد المسيحي، تفسره مقاطعة الدعوات الرئاسية الى إحياء هيئة الحوار الوطني، وهذا يعيد لبنان الى صراع شبيه بالعقد الذي سبق عام 2005 والذي كان عنوانه تهميش قوى مسيحية لها حجمها ووزنها.
“الحياة”




















