لا تعود الصفة الثورية المستحقة للانتفاضة التونسية إلى نجاحها في الإطاحة بنظام الرئيس بن علي، بل إلى نطاقها الاجتماعي والوطني الواسع، ووسائلها الشعبية وغير النخبوية في الاحتجاج العام (غير مسلح، وغير موجه دينياً أو إيديولوجياً)، وفي استمرارها الشجاع شهراً إلى حين الإطاحة بنظام بن علي، وأكثر من ذلك في صنعها واقعاً سياسياً واجتماعياً ونفسياً جديداً ما كان يمكن تخيله قبل أسبوعين فحسب.
تسارع التاريخ في تونس يحكم باستحالة توقع مآلات الثورة التونسية، أو حتى التمكن من وصفها بصورة شافية. لكن، ظاهر منذ الآن أن آفاق التطور السياسي والاجتماعي والمؤسسي في البلاد مشرعة الأبواب، وأن معنويات الشعب التونسي (ولقد صنع نفسه أو أعاد صنعها عبر ثورته الشجاعة) مرتفعة، وإن مازجها شيء من القلق.
ولقد تصرفت القوى المرتبطة عضوياً بالنظام بالصورة المتوقعة منها: بادرت إلى الاعتداء على مؤسسات عامة وأملاك خاصة، وظــهرت عــلى حقيقتها كقوى «إرهابية» كما وصفها مثـــقفون تونسيون، قوى لا تطرح على التونسيين غير واحد من خيــارين: إما نحن وإما الفوضى، أي نحن أو لا أحد.
لكن ظهر بالمقابل أن الجيش التونسي ليس منزوع الصفة الوطنية مثل الأجهزة الأمنية، واستطاع إبطال مسعى تلك الأجـــهزة العدمي. وظهر أن في تونس مؤسسة وطنية أخرى فعالة هي الاتحاد التونسي العام للشغل الذي انضم إلى الاحتجاجات بعد حين من انطلاقها، ثم سحب وزراء مقريين منه من حكومة محمد الغنوشي في 18/1/2011.
أما الحـزب الحاكم، ويبــلغ عدد أعضـــائه نحو مليــونــين (فوق 15 في المئة من السكان)، فانــخـــرطت أطراف منه في خطة الفوضى، فــيما تخلى رئيس الوزراء ورئيس البرلــمان عن عضويتهما فيه، في سياق جرى فيه أيضــاً حلّ خلايا الحزب الحاكم داخل المؤسسات العامة، واسترجاع أملاك الدولة منه وإنهاء تفريغ كوادره.
ولعلها إجراءات تندرج في إطار الفصل بين الحزب الحاكم والدولة الذي دعا إليه مثقفون تونسيون كبار (عياض بن عاشور وعبد المجيد الشرفي وآخرون) والاتحاد العام للشغل. وبينما قد يكون فصل الحزب عن الدولة مفضلاً على اجتثاثه، فإن من شأن بقاء دستوريين (ولو «سابقين») مثل الغنوشي والمفزع في مواقع سياسية نافذة أن يفتح باباً للالتفاف على الانتفاضة ويحد من جذريتها.
لكن اللافت أن أصوات مثقفين تونسيين معارضين تفهمت بقاءهما من باب تهدئة الأوضاع، وتجنب مخاطر الفوضى الأمنية، وسحب الذرائع من قوى خارجية قد تلعب دوراً تخريبياً، وكذلك للحيلولة دون أن ينفرد الجيش بإدارة البلاد. غير أن أصواتاً أخرى تدعو إلى حل الحزب وعدم الاكتفاء بفصله عن الدولة.
وتعكس التراكيب السياسية التونسية القائمة والمرشحة لقيام توازن القوى الاجتماعي والسياسي بين جمهور الاحتجاجات الاجتماعية المتنوع وبين جهات من النظام القديم قد تكون أقل تلوثاً، وتسوغ نفسها باستمرارية الدولة. أما الأحزاب والمنظمات السياسية المعارضة فلا يبدو أنها استطاعت فرض وقائع على الأرض أو التأثير الإيجابي على تطور الأوضاع، الأمر الذي ينذر بأن يكون دورها في النظام الجديد شكلياً.
ولعلها تتمايز إلى أحزاب «نظامية» معترف بها، شاركت بوزراء في حكومة الغنوشي، وأحزاب «معارضة» مثل حزب العمال الشيوعي التونسي وحركة «النهضة» الإسلامية.
تبقى التوازنات التونسية متحركة ومتأرجحة، ولا يحتمل أن تتخذ صورتها النهائية في وقت قريب.
يعزز ذلك أن هنـــاك جــهات أخرى مؤثرة في محصلتها العامــة. من هذه التحركات الغربية حول تونــس زيارة مسؤول أمني أمــيركي كبير للجزائر. لكن من أخطرها ما قد يأتي من ليبيا من مخاطر أمنية. كان حاكــم ليبــيا هو الوحيد في العالم كله الذي أسف على الرئيس المخلوع ولام التونسيين على ثــورتهم.
ولا تــستبعد تقديرات مناضـــلين ومثقـــفين تونسيين أن يتســبب نظــامه في مشكلات، مشجعاً المتضررين من التـــغير التونسي في الداخل، ومحركاً مـــوازيــن القوى القلقة في البلاد لمــصلحة العسكريين والأمــنيين، وفي الوقت نفسه ضامناً رعاية المراكز الغربية لمن يقرر توريثه من أبنائه.
لا يبعد أيضاً أن هناك تحركات لا نعلمها حول تونس ومن الجهات الدولية الأكثر نفوذاً، الأوروبيين والفرنسيين بخاصة. كان موقف الأخيرين مخزياً أثناء الانتفاضة التونسية، وحتى قبل أسبوع واحد من فرار بن علي استطاعت وزيرة الخارجية الفرنسية أن تعرض على الحكومة التونسية مساعدات أمنية من أجل استعادة السيطرة. وبعد حين كرر الفرنسيون وراء الأميركيين اللازمة المكرورة المتحفظة عن الاستخدام المفرط للقوة ضد المحتجين.
والحال أن ما يظهر أكثر من أي شيء آخر أن العمق المرائي لهذا التحفظ مأخوذ في الأصل من نظرية الحرب العادلة. وهذه تحيل إلى مواجهات بين دول وجيوش، وليس بين حكومات ومحتجين من مواطنيها. هذا إلا إذا كانت القوى الغربية تعتبر عموم التونسيين إرهابيين معتدين على نظامهم.
تطور الأوضاع في تونس رهن بمحصلة هذه القوى وليس بوعود كلامية من نوع تلك التي أعلنها الوزير الأول محمد الغنوشي من أنه «سيــتم الترخيــص لـــكل الأحــزاب السياسية التي تطلب ذلك، بما في ذلك الأحزاب المحظورة». وفي حين اعتبر ذلك إشــارة قوية إلى إمكان رفع الحظر المــفروض عــلى حــركة «النهضة» الإسلامية، فإن الرجل نفـــسه لم يلبــث أن قال إن عودة راشد الغنوشي رهن بعفو تشريعي كون زعيم «النهضة» محكوماً بالإعدام.
ويبدو على كل حال أن وضع الإسلاميين ضمن الوضع الجديد هو إحدى العقد التي ستواجهه قريباً، وستكون موضع انشغال الحكومات العربية والقوى الغربية على حد سواء.
وبينما لا يستقيم الكلام على حكم ديموقراطي في تونس مع استبعاد الإسلاميين، سيمتحن الإدماج المحتمل للإسلاميين في النظام الجديد خطاب الغنوشي المنفتح في شأن المواطنة والدولة الوطنية والحكم الدستوري المدني والمساواة بين الجنسين والحفاظ على مكاسب النساء التونسيات في مجال الأحوال الشخصية والزواج والميراث. ولقد كان لافتاً، بالمناسبة، الصمت المدوي لحداثويي تونس المطلقين وفرانكوفونييها ممن يتمحور تفكيرهم العام حول مواجهة «الأصولية». لعل الصمت مخرج من تعذر الدفاع العلني عن نظام بن علي، ومن عدم الاطمئنان إلى التحركات الاجتماعية الديموقراطية الراهنة.
يبقى أن فرص الديموقراطية التونسية مرهونة بقدرة الجمهور التونسي العام على فرض حضوره ومطالبه الاجتماعية والاقتصادية في المجال السياسي الجديد، وعدم تركه للسياسيين المحترفين وقيادات الأحزاب. ولعل تجربة اللجان الشعبية التي دافعت عن أحياء وأملاك خاصة، وكذلك الاحتجاجات المستمرة في المدن التونسية، أقوى ما يعول عليه في هذا الشأن.




















