إستخلص الجيش الإسرائيلي العبر من حروب الماضي، من بينها، على سبيل المثال، حرب فوكلاند العام 1982، حيث أبحر الأسطول البريطاني مسافة آلاف الكيلومترات، على نمط حروب القرن التاسع عشر، من أجل تحرير الجزر البعيدة وقليلة السكان التي احتلها الجيش الأرجنتيني. وقد استضيف على متن السفن الحربية مراسلون حربيون من وسائل الإعلام البريطاني، الذين لم يكونوا تحت رحمة تقارير وزارة الدفاع فقط، إنما كانوا بحاجة لخدمات الإعلام العسكري، من أجل إرسال وبث تقاريرهم. فإذا لم تحظ التقارير برضى المراقبين، يقوم هؤلاء بقطع البث، وهكذا تحوّل المراسلون إلى أسرى.
صحيح أن الجيش الإسرائيلي لا يذهب بعيدا إلى هذا الحد في رقابته التي يفرضها على وسائل الإعلام، لكنه أيضا ليس في حاجة لذلك. فيكفيه أنه يمنع الصحافيين في معظم أيام الحرب من الدخول إلى غزة من أجل تغطية ما يجري فيها. وبدل تكون انطباعات مباشرة ومستقلة يحصل الجمهور الإسرائيلي على تقارير جزئية قد خضعت للرقابة والتنقية من قبل الرقابة العسكرية والناطق باسم الجيش.
إن سياسة "كم الأفواه" التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي هي رد فعل لحرب لبنان الثانية. ففي تلك الحرب، وبإيحاء من الناطقة باسم الجيش الإسرائيلي حينها، العميد ميري ريغف، سُمح للصحافيين بالتجول "بين أرجل" القادة الكبار في الميدان. وكانت النتيجة محرجة في كثير من المرات، حتى للمؤيدين لحرية التعبير. مثلا، في تلك الحادثة التي سخر فيها قائد كتيبة أمام الميكروفونات وعدسات التصوير من قائد الفرقة المسؤول عنه.
نوايا ريغف كانت طيبة. فهي ارادت أن تفتح الجيش الإسرائيلي أمام وسائل الإعلام أثناء الحرب، ومن خلاله أمام الجمهور. لكن التنفيذ كان فاشلا. فقد فقدت وحدة الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي والقيادة العليا السيطرة. وكانت النتيجة ثرثرة مفرطة، ساعدت عن غير قصد الحرب النفسية لحزب الله.
على الرغم من الإنجازات الإستراتيجية السياسية لتلك الحرب (إلى جانب إخفاقات تكتيكية في مستوى تفعيل القوات واداء بعض من القيادة العليا) فقد خلق معظم المراسلين والمعلقين الانطباع المغلوط بأن إسرائيل هزمت. وقد سارع أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، الذي كان اعترف في البداية أنه فوجئ بالرد الإسرائيلي، إلى التشبّث بالتقارير الإعلامية الإسرائيلية لكي يبشّر بانتصاره.
العبرة التي استخلصها الجيش الإسرائيلي من الإنفتاح الزائد في حرب لبنان الثانية، تجلت في اعتماد الخيار المتطرّف الآخر: تقرّر منع وسائل الإعلام الإسرائيلية والعالمية القيام بعملها. في حرب فوكلاند "حُبس" الصحافيون في حجرات السكن في السفن الحربية.
في حرب غزة، يُحتجز المراسلون في نطاق مساحة إعلامية متواضعة قرب الحدود مع القطاع. وقد اخذ مكانهم صحافيون ومصورون من قبل الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي. وقد هدف الأمر، من جملة الأمور، إلى عرض صورة حرب معقمة بحيث منعت وسائل الإعلام في إسرائيل من نشر مشاهد القتل والدمار والفظائع في غزة. لكن هذا توجّه ضيق الأفق ويعكس سياسة النعامة. ففي عصر " أوتوستراد المعلومات"، يرى العالم، وكذلك الإسرائيليون، الصور ويسمعون الأصوات التي تُبث في معظم محطات التلفزة.
إن وصاية الجيش على وسائل الإعلام، التي تتمتع بشكل عام من التعاون معه، قد تكون جيدة للجيش لكنها تسيء كثيرا للديمقراطية في إسرائيل.
("هآرتس" 12/1/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل




















