خلال سنوات حكم آل الأسد لسوريا، تداعت مؤسسات الدولة وتآكلت الثقة بين المجتمع والسلطة، ومال الكثير ومن بينهم النخب السياسية والثقافية إلى الاحتماء، بما يبدو أقل كلفة من الإصلاح الحقيقي إلى السردية، وأصبحت الحكاية السردية مشروعا سياسيا، ويقدم الماضي بوصفه علاجا للحاضر، ويطلب من الشعب أن يعيش على أمجاد التاريخ، أكثر مما يحصل على حقوقه في الواقع.
وتعددت الأسماء: السردية الوطنية، والسردية الثورية، والسردية الدينية، والسردية القومية والحزبية، بل حتى السردية العشائرية والقبلية، لكنها جميعا تشترك في وظيفة واحدة؛ أن تمنح الإنسان شعورا بالانتماء، من دون أن تمنحه أسبابا حقيقية للكرامة أو المشاركة أو العدالة.
مستقبل سوريا، كما مستقبل كثير من الدول العربية، لن تصنعه السرديات التي تتنافس على احتكار الماضي، بل النخب التي تمتلك القدرة على صناعة المستقبل
فالهوية ليست خطابا محفوظا، ولا فيلما وثائقيا عن آلاف السنين من التاريخ، ولا قصيدة حماسية تُلقى في المناسبات، بل الهوية، في جوهرها، تجربة معاشة، وهي أن يشعر الإنسان بأن صوته مسموع، وأن كرامته مصونة، وأن القانون يحميه، وأن مستقبله لا يتحدد باسم عائلته، أو طائفته أو قبيلته أو قربه من مركز النفوذ، وعندما تغيب هذه المعاني، تصبح السرديات مجرد مسكنات نفسية لا تعالج المرض. ولهذا لا تكفي تسمية أنفسنا ثوار 2011 كي نبقى ثوارا، كما لا يكفي الحديث عن الأمجاد القديمة كي نصبح ورثةً حقيقيين لها، فإذا تحولت الثورة إلى خطاب فوقي، وأصبح الشعب مجرد وسيلة تفاوض، وغابت الكرامة والعدالة، فإن الألقاب تفقد معناها، وتصبح السردية بديلا عن الفعل لا امتدادا له. وأزمة السردية ليست سوى انعكاس لأزمة أعمق، هي محنة السلطة في الوعي العربي، فالسلطة عندنا ليست مجرد مؤسسة لإدارة الشأن العام، بل علاقة نفسية وثقافية معقدة، من يمتلكها يميل إلى احتكار الحقيقة، ويعامل المنصب باعتباره امتيازا شخصيا لا مسؤولية عامة، بينما يتعامل كثير ممن يخضعون لها بمنطق الخوف أو التملق أو البحث عن الحماية، حتى تصبح الطاعة وسيلة للبقاء، ويغدو النقد مغامرة مكلفة. وهكذا يتشكل نمط متكرر من الاستبداد والخضوع، يعيد إنتاج نفسه باستمرار، فلا المسؤول يستطيع تخيل السلطة بوصفها خدمة، ولا المواطن يستطيع تصور نفسه شريكا كاملا في إدارة وطنه، وعندما تستقر هذه العلاقة في الوعي الجمعي، تتحول إلى ثقافة أكثر منها نظاما سياسيا، ويصبح تغيير الأشخاص عاجزا عن تغيير النتائج. وتزداد الأزمة تعقيدا عندما تتغذى السلطة على سرديات الهوية المختلفة، فبدلا من بناء دولة مواطنة، يجري استدعاء الانتماءات الأولية و الهويات الفرعية، بوصفها مصادر للشرعية السياسية، الدين، والطائفة، والقومية، والمنطقة، والعشيرة والقبيلة، كلها تتحول إلى أدوات تعبئة وحشد، بينما تتراجع فكرة الدولة الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية.
ولعل السردية العشائرية والقبلية، تمثل أحد أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك، فالعشيرة بوصفها إطارا اجتماعيا ليست مشكلة في ذاتها، بل قد تكون مصدرا للتكافل والتضامن، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى هوية سياسية، ويصبح الولاء للقبيلة مقدما على الولاء للدولة، ويُقاس الإنسان باسم عشيرته أكثر من كفاءته، ويستبدل القانون بمنطق الثأر، أو مجالس الصلح أو العصبية، والأمر نفسه ينطبق على ثقافة التفاخر القبلي التي تجعل الانتماء الوراثي مصدرا للتفوق الأخلاقي أو السياسي، فالدولة لا تبنى بالأحساب والأنساب، وإنما بالمؤسسات والكفاءة وسيادة القانون، وكلما ازداد حضور العصبيات الأولية، ضعفت فكرة المواطنة، وتحولت السياسة إلى منافسة بين الجماعات لا بين البرامج. لهذا فإن الديمقراطية وحدها لا تكفي لتحقيق الخلاص السياسي، فالانتخابات ليست علاجا سحريا، بل أداة يمكن أن تنتج الاستقرار، أو تعيد إنتاج الانقسام، تبعا للثقافة السياسية التي تعمل داخلها.
وقد أثبتت تجارب عربية عديدة أن الديمقراطية، في غياب مشروع وطني جامع، تتحول إلى استفتاء على الهوية بدلا من أن تكون منافسة على السياسات العامة. فيصبح السؤال: من يمثل طائفتي أو قبيلتي أو تياري؟ بدلا من: من يستطيع إدارة الاقتصاد، وإصلاح التعليم، وتطوير القضاء، ومحاربة الفساد؟ وحين تصبح الهوية محور المنافسة، تتراجع التنمية تلقائيا إلى المرتبة الأخيرة، وتدخل الدولة في دوامة لا تنتهي من الاستقطاب، لأن الانتصار السياسي لطرف ينظر إليه باعتباره هزيمة وجودية للطرف الآخر. ولهذا فإن أي انتقال سياسي ناجح يحتاج إلى شرطين متلازمين، الشرط الأول هو ولادة تيار سياسي يتجاوز سياسات الهوية، ويجعل معيار التنافس هو جودة الإدارة والإنتاج والتنمية، لا الانتماءات المغلقة، تيار يخاطب المواطن بوصفه مواطنا، لا ممثلا لطائفة أو قبيلة أو منطقة، ويقيس نجاح الحكومة بمعدلات النمو، وجودة الخدمات، وكفاءة المؤسسات، ومستوى العدالة.
والشرط الشرط الثاني فهو بناء علاقة جديدة مع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية، تقوم على الثقة لا على الصدام الوجودي. فالكثير من تجارب الانتقال السياسي في العالم العربي تعثرت لأن مراكز القوة رأت في الديمقراطية تهديدا لبقاء الدولة، بينما رأت قوى المعارضة أن أي تفاهم مع هذه المؤسسات خيانة للتغيير. ولا يمكن تجاوز هذه العقدة إلا بعقد سياسي جديد يطمئن الجميع إلى أن تداول السلطة لن يعني الانتقام، وأن الإصلاح لن يعني تفكيك الدولة، وأن الاستقرار لن يكون مرادفا للقمع. فالدولة لا تستطيع أن تعيش في ظل خوف دائم من المجتمع، كما أن المجتمع لا يستطيع أن يبني مستقبله وهو يعيش في خوف دائم من الدولة، فالحلقة المفقودة في معظم التجارب العربية لم تكن الانتخابات، بل الثقة، فحيثما وجد الحد الأدنى من الثقة أمكن إدارة الخلافات داخل المؤسسات، وحيثما غابت تحولت كل أزمة سياسية إلى معركة وجودية. ومن هنا فإن مستقبل سوريا، كما مستقبل كثير من الدول العربية، لن تصنعه السرديات التي تتنافس على احتكار الماضي، بل النخب التي تمتلك القدرة على صناعة المستقبل، ولن يبنيه من يسأل الناس: من أنتم؟ بل من يسألهم: كيف نبني اقتصادا منتجا، وتعليما جيدا، وقضاء مستقلا، وإدارة كفوءة، ودولة تحترم الإنسان؟ فالسياسة ليست فنا لإدارة الهويات، وإنما فن لإدارة المصالح العامة، وكلما اقتربت من هذا المعنى، اقتربت الدولة من الاستقرار الحقيقي، والخلاص يبدأ عندما يتحول سؤال المواطن من: من يشبهني؟ إلى: من يخدمني بكفاءة؟، وعندما تتحول السلطة من غنيمة إلى مسؤولية، والمعارضة من مشروع إسقاط دائم إلى مشروع بناء، والهوية من أداة صراع إلى إطار ثقافي يثري المجتمع من دون أن يمزقه.
فالأوطان لا تنهض بالسرديات وحدها، ولا بالشعارات، ولا بالتفاخر بالأنساب، ولا باستدعاء أمجاد الماضي، وإنما تنهض بعقد اجتماعي جديد يقوم على الكرامة، والمواطنة، والكفاءة، وسيادة القانون، والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. عندها فقط تصبح الهوية عامل إثراء لا سبب انقسام، وتتحول الديمقراطية إلى وسيلة للحكم الرشيد لا إلى ساحة لصراع العصبيات، ويصبح المستقبل مشروعا مشتركا، لا رواية يرويها كل فريق لنفسه.
كاتب سوري
- القدس العربي
























