لم تعد النقاشات الأميركية حول حزب الله تتمحور حول السؤال التقليدي، كيف يُنزع سلاح الحزب؟ بل أصبحت تتمحور حول سؤال مختلف تماماً، وهو كيف يُعاد تشكيل البيئة الإقليمية التي سمحت للحزب بالاحتفاظ بهذا السلاح طوال العقود الماضية؟
هذا التحول هو ما يفسّر تزامن سلسلة من التطورات التي بدت، للوهلة الأولى، منفصلة عن بعضها البعض. تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكررة عن دور محتمل للرئيس السوري أحمد الشرع في الملف اللبناني، والقيود المصرفية العراقية الجديدة على شخصيات وجهات مرتبطة بحزب الله والحرس الثوري الإيراني، والحديث عن إعادة الإعمار في جنوب لبنان، والعودة المتزايدة لتوم باراك إلى قلب النقاشات الخاصة بلبنان وسوريا، كلها تبدو أجزاءً من رؤية واحدة أكثر منها أحداثاً منفصلة.
والمعادلة الجديدة لا تقوم على إنتاج معركة جديدة ضد حزب الله، بل على إعادة هندسة البيئة المحيطة به، ففي المقاربة الأميركية التي بدأت تتبلور، لم يعد مطلوباً من إسرائيل أن تستمر في استنزاف الجنوب اللبناني إلى ما لا نهاية. بل إن الانسحاب الإسرائيلي، إذا ترافق مع انتشار فعلي للجيش اللبناني ودعم أوروبي وإطلاق إعادة إعمار ممولة عربياً، قد يصبح جزءاً من عملية تقليص نفوذ الحزب، لا تنازلاً له.
هنا تظهر بصمة توم باراك، فالرجل الذي احتفظ بنفوذه داخل دوائر القرار الأميركية، مستفيداً من علاقته الشخصية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومن قنواته المفتوحة مع الأتراك والسعوديين والقطريين، يبدو أنه يدفع باتجاه مقاربة تختلف عن تلك التي سيطرت على السياسة الأميركية خلال السنوات الماضية. فبدلاً من اعتبار أن نزع السلاح هو نقطة البداية، تنطلق هذه الرؤية من أن الدولة اللبنانية يجب أن تصبح قادرة على الحلول تدريجياً مكان الحزب، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، قبل الوصول إلى مرحلة الاحتكار الكامل للسلاح.
هذه المقاربة تفسر أيضاً إعادة إدخال سوريا إلى المشهد، ولكن بصورة مختلفة جذرياً عن العقود السابقة، فالمطلوب من دمشق، وفق هذا التصور، ليس إرسال قوات وجنود إلى لبنان، ولا استعادة أي وصاية أمنية، وإنما لعب دور الدولة المجاورة التي تضبط حدودها، وتغلق مسارات التهريب، وتتبادل المعلومات الأمنية، وربما تساعد في توفير مخرج سياسي وطاولة حوار إذا وصلت عملية التفاوض إلى مرحلة تتطلب وسيطاً يحظى بقنوات اتصال مع مختلف الأطراف.
هذه المقاربة تفسر أيضاً إعادة إدخال سوريا إلى المشهد، ولكن بصورة مختلفة جذرياً عن العقود السابقة، فالمطلوب من دمشق، وفق هذا التصور، ليس إرسال قوات وجنود إلى لبنان، ولا استعادة أي وصاية أمنية، وإنما لعب دور الدولة المجاورة التي تضبط حدودها، وتغلق مسارات التهريب، وتتبادل المعلومات الأمنية، وربما تساعد في توفير مخرج سياسي وطاولة حوار إذا وصلت عملية التفاوض إلى مرحلة تتطلب وسيطاً يحظى بقنوات اتصال مع مختلف الأطراف.
وهو ما يتوافق مع الخطاب الذي تبناه الرئيس السوري أحمد الشرع خلال الأشهر الماضية، والقائم على رفض أي تدخل عسكري مباشر داخل لبنان، مقابل الاستعداد للتعاون الأمني والسياسي مع الدولة اللبنانية.
في المقابل، لا يبدو أن هذه الرؤية تحظى بإجماع داخل واشنطن، فما تزال هناك مدرسة أخرى ترى أن الأولوية يجب أن تبقى للمسار اللبناني – الإسرائيلي، وأن أي انسحاب إسرائيلي قبل تحقيق تقدم ملموس في ملف السلاح سيعيد إنتاج الواقع السابق. وهذا الانقسام داخل الإدارة الأميركية يعكس اختلافاً أعمق حول كيفية التعامل مع إيران وحلفائها في المنطقة، وليس مع حزب الله وحده.
كما أن إسرائيل نفسها لا تبدو متحمسة لهذه المقاربة، لأنها تنطلق من فرضية أن تعزيز الدولة اللبنانية قد يكون أكثر فعالية على المدى الطويل من استمرار العمليات العسكرية، بينما ترى تل أبيب أن الضغوط العسكرية هي التي صنعت الظروف الحالية أصلاً.
أما العراق، فإن القيود المالية التي بدأ يطبقها لا تبدو، بحد ذاتها، قادرة على إحداث تغيير جذري، لكنها تحمل دلالة سياسية مهمة. فالهدف ليس فقط منع التمويل، بل إظهار أن الحلقة الممتدة من طهران إلى بغداد ثم دمشق وبيروت لم تعد تعمل بالشكل نفسه الذي عملت به خلال العقدين الماضيين.
وربما هنا تكمن الفكرة المركزية كلها، فالاستراتيجية الأميركية الجديدة لا تستهدف حزب الله مباشرة بقدر ما تستهدف البيئة الإقليمية التي وفرت له المال والسلاح والغطاء السياسي. وإذا نجحت واشنطن في إعادة تشكيل هذه البيئة، فإن الحزب سيجد نفسه أمام واقع مختلف، لا بسبب هزيمة عسكرية، بل نتيجة لتغير تدريجي في موازين القوى السياسية والاقتصادية والأمنية المحيطة به.
ويبقى السؤال الحقيقي، هل تستطيع هذه المقاربة الصمود أمام تعقيدات الداخل اللبناني، واعتراضات إسرائيل، والتنافس داخل الإدارة الأميركية نفسها؟ أم أنها ستبقى مجرد رؤية نظرية أخرى تضاف إلى سلسلة المبادرات التي لم تنجح في تحويل ميزان القوى في لبنان؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل حزب الله، بل أيضاً شكل العلاقة الجديدة التي تحاول واشنطن رسمها بين لبنان وسوريا وإسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب الإقليمية.
- تلفزيون سوريا























