ملخص
الواقع أن تنفيذ المشروع الإقليمي الإيراني الذي عنوانه ولاية الفقيه يحتاج إلى إخضاع شعوب المنطقة، وإخراج أميركا منها، وإزالة إسرائيل، وتطويع أوروبا وفي النهاية صدام مصالح مع الصين وروسيا.
ليس من أجل مضيق هرمز كانت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، ولا كان إنهاء البرنامج النووي هو الهدف الوحيد من الحرب، لكن أميركا وإيران عالقتان، بعد وقف النار و”مذكرة التفاهم” وبدء التنفيذ، في حرب بالتقسيط مرشحة لأن تصبح حرباً شاملة من أجل هرمز.
والرئيس دونالد ترمب لم يعد يركز إلا على فتح المضيق ومنع طهران من حيازة سلاح نووي. والمفارقة أن المضيق الذي كان مفتوحاً قبل الحرب صار عقدة الصراع حالياً. والمشكلة مزدوجة، بصرف النظر عن قانون البحار الدولي والعمل في المضائق البحرية.
واشنطن التي تعرف أنها لا تستطيع فتح المضيق بالقوة تمارس ما دون الحرب الشاملة من القوة لدفع طهران إلى التسليم بالفتح وتنفيذ ما تنص عليه مذكرة التفاهم المقصوفة أميركياً و”المعلّقة” إيرانياً، والجمهورية الإسلامية مستعدة للرد والصمود والإصرار على جعل المضيق ضمن سيادتها مهما تكن العواقب.
والسوابق في الحروب ناطقة، فما يقوله الجنرالات هو أن الحرب تقودك بعد أن تبدأها، من حيث تظن أنك تقودها. وما قرأه جورج كينان في غزو الرئيس جورج بوش الابن للعراق وإسقاط نظامه هو “أنت تبدأ حرباً وفي ذهنك أشياء محددة، ثم تجد نفسك في النهاية تقاتل من أجل أشياء لم تفكر فيها من قبل”. وهذا ما ينطبق على حرب ترمب ضد إيران التي بدأت عناوينها من إسقاط النظام وإنهاء البرنامج النووي وتحديد البرنامج الصاروخي وإنهاء الأذرع الإيرانية المسلحة في المنطقة، وانتهت إلى مذكرة تفاهم على ترتيب أمور مالية وعقوبات سابقة للحرب والتراجع عن حصار بحري صار بعد الحرب، وفتح مضيق كان مفتوحاً، و”الباقي في المشمش”، كما يقول المثل عن وعود لا مجال لإيفائها.
ذلك أن أميركا التي استخدمت أقوى ورقة في يد قوة عظمى هي الحرب الشاملة اضطرت إلى وقفها قبل أن تكتمل، وقبول وعد إيراني قديم ومكرر ومحط شكوك عميقة بالامتناع عن صنع سلاح نووي أو شرائه. وإيران التي كتب ولي نصر ونرجس باجوقلي في “استراتيجية إيران العظمى الجديدة” أن الحرب أنتجت “صعوداً لإيران جديدة ستعيد تشكيل الشرق الأوسط، وتؤثر في وجهة الجيوبوليتيك أعواماً مقبلة” تتصرف على أساس أن في يدها ورقتين قويتين: هرمز وتهديد المنطقة.
واللعب على المكشوف، يطلب ترمب فتح المضيق للملاحة الدولية من دون قيود ولا رسوم، فترد طهران بأن هرمز “ملك لها” وستقاتل للحفاظ على سيادتها. وأين تقاتل رداً على القصف الأميركي لإضعاف القدرة الإيرانية على فرض إرادتها؟ على أرض جيرانها من دول الخليج والأردن بحجة الرد على القواعد الأميركية، في حين تصاب أهداف مدنية خليجية.
ويرفع ترمب المستوى فيهدد بضرب البنية التحتية والمنشآت النفطية والكهربائية في إيران بحيث “لن يبقى منها شيء”، فترفع طهران التهديد إلى الأعلى والأخطر. المتحدث باسم “مقر خاتم الأنبياء” إبراهيم ذو الفقاري يقول من دون التطلع إلى الأمام أو الوراء، إنه “إذا جرى تنفيذ التهديدات الأخيرة في شأن استهداف البنى التحتية لإيران، فإن البنى التحتية في المنطقة سيجري تدميرها عن بكرة أبيها بحيث لا يبقى لها أثر وكأنها لم تكن موجودة في الأساس”. والمعادلة المستمرة هي: “لا قطرة نفط أو غاز تعبر المضيق إن لم يعبر النفط والغاز من إيران”: لا نفط لإيران، لا نفط لأحد.
وهذه سياسة عدمية وانتحارية وانتقامية ممن لا علاقة لهم بالحرب وهم من ضحاياها. ففي فرض السيادة الإيرانية على مضيق دولي يمر منه 20 في المئة من النفط والغاز إلى العالم ويمر فيه ما تحتاج إليه المنطقة في سلاسل التوريد، مواجهة مع المنطقة والعالم وحرمانها من متطلبات الحياة العادية في هذا العصر، ولماذا؟ من أجل هدف ضيق وأناني وتجاري هو ادعاء ملكية مضيق دولي وفرض رسوم على السفن العابرة. وفي التهديد بتهديم البنى التحتية ومعالم الحياة في المنطقة ارتكاب ما هو أفظع من إبادة وجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية ضد جيران أبرياء، وذلك ليس فقط بسبب العجز عن الرد على أميركا، بل أيضاً بسبب مطامع إيرانية مغطاة بكلام كاذب عن الجيرة والأمن المشترك.
والواقع أن تنفيذ المشروع الإقليمي الإيراني الذي عنوانه ولاية الفقيه يحتاج إلى إخضاع شعوب المنطقة، وإخراج أميركا منها، وإزالة إسرائيل، وتطويع أوروبا، وفي النهاية صدام مصالح مع الصين وروسيا. والدعوات الإيرانية إلى نظام أمني إقليمي من دون أدوار خارجية هي عملياً دعوات إلى هيمنة الأمن القومي الإيراني على الأمن القومي العربي، فضلاً عن أن تأسيس أذرع مسلحة أيديولوجية مذهبية مرتبطة بالحرس الثوري هو في البداية اعتداء على السيادة في العراق ولبنان واليمن، ومن قبل في سوريا، وفي النهاية سيطرة الميليشيات على الدول من أجل المشروع الإقليمي.
و”اللعبة طويلة بين أميركا وإیران”، كما كان يقول مستشار الأمن القومي أيام الرئيس الأميركي جيمي كارتر، البروفيسور زبيغنيو بريجينسكي و”ليست لمصلحة النظام الحالي بوجود طبقة وسطى في المدن ودور مهم للنساء وأسوأ نظام تعليمي”.
في عام 1957 كتب الفيلسوف أشعيا برلين في “فورین أفيرز” أن “المجتمع السوفياتي منظم، ليس للسعادة والاكتفاء والحرية والعدالة بل للقتال”، وهذا ما قاد إلى انهيار الاتحاد السوفياتي في النهاية. والمجتمع الإيراني الذي يبدو منظماً للحرب الدائمة والهيمنة على الجوار أشد حيوية من المجتمع السوفياتي، ومن الصعب أن يتحمل البؤس والقمع إذا انتهت حروب النظام .
- إندبندنت






















