لو أسرف المنجمون في توقعاتهم قبل نهاية العام المنصرم ، ( كما يفعلون كل عام ) لما استطاعوا أن يتخيلوا أن ماجرى في تونس ، وما يجري في مصر سيكون من وقائع العام 2011 . حتى أولئك الذين شاركوا في صنع الحدث ، أو كانوا وقوداً له ، لم يكن يجمح بهم الخيال لاعتبار ما قاموا به حدثاً تاريخياً ، يغير وجه بلادهم ، ويفتح باب التغيير على مصراعيه أمام المنطقة ، ويكون له ما بعده . ولم تشكل انتفاضة الشعبين التونسي والمصري مفاجأة للحاكمين وحدهم ، إنما للمجتمع أيضاً ، وللنخب السياسية والثقافية المعارضة التي كانت تنتظرها وتعمل من أجلها . وانسحبت المفاجأة الكبيرة أيضاً على العالم الخارجي بدوله وأجهزته ومؤسساته . ولم تكن مراكز البحث والدراسات ومنظمات المجتمع المدني أقل مفاجأة من غيرها . وكأن انتفاضة الشعب ولدت من هدير مكتوم ، راكمته عقود القمع والمهانة والجوع الكافر ، وفجرته شهوة الحرية والكرامة والعدل التي كانت نائمة ، في حين اعتقد الظالمون أنها ماتت ، وانتهت إلى غير رجعة . وهذا يفسر الحفاوة الكبيرة التي قوبلت بها الانتفاضة من قبل شعوب المنطقة وأصدقاء الحرية والعدل وحقوق الإنسان في العالم أجمع ، وحجم الإحراج والارتباك الذي أوقعته في صفوف النظم الحاكمة خاصة في أوروبا وأمريكا وفي الأوساط الدولية ، ومقدار الخوف والهلع الذي أثارته في نظم الاستبداد العربية . فخلال أقل من شهر يسقط الشعب نظامين مدججين بقوة القهر والتسلط ، ويطرد اثنين من أشهر الحكام المستبدين العرب ، والحبل على الجرار .
لقد شاخت الأنظمة العربية مع حكامها . فمنذ مطلع السبعينات من القرن الماضي ، حيث استقرت نظم الاستبداد على أعناق الشعوب ، فصَّلت الأنظمة الدول على هواها ، وأغلقت باب التغيير والتداول السلمي للسلطة برتاج القمع والإرهاب وتهميش المجتمع واختراقه . واستولدت – دون خجل – شعاراً سلطانياً ، ينتمي للعبودية والقرون الوسطى اسمه ” إلى الأبد ” . فلم يعد غريباً أن يحكم تونس رئيسان خلال أكثر من نصف قرن ، هو عمرها الكامل كدولة مستقلة . ويستمر عقيد ليبيا في الحكم لمدة 42 عاماً مستمرة دون أن ينتهي عنده جوع التسلط . ويتابع الرئيس اليمني فترته الرئاسية المستمرة منذ 33 عاماً دامياً ، والرئيس المصري منذ 30 عاماً أنهكت روح مصر . كما تستمر سورية تحت حكم رئيسين أب وابنه لمدة 41 عاماً ، وما زالت مفتوحة . من هنا يمكن تفهم مظاهر الانتفاضات الشعبية التي حصلت أو يمكن أن تحصل ، وأنها تتركز في جمهوريات العرب وليس في ممالكهم وإماراتهم .لأن هذه الجمهوريات أصبحت شكلاً من أشكال النظم الملكية المطلقة بغلاف رئاسي شعبوي رث. يلاحقها سوء السمعة والسلوك داخلياً وخارجياً ، وضعف الكفاءة والإنجاز على الصعيد الوطني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً . وبذلك أفرزت الغضب الشعبي المتفجر الذي لم يعد حبسه خلف الأبواب المغلقة والقنوات المسدودة ممكناً . ويبدو أن كبحه بكل وسائط التزييف والإكراه لم يعد متاحاً . فساعة التغيير في المنطقة العربية دقت ، وما القضية إلا قضية وقت .
زمن الأحلام والأوهام المتكسرة
في أعقاب الحرب العالمية الثانية وما أفرزته على الصعيد الدولي ، وبتأثير من تجربة دول ” المعسكر الاشتراكي ” البازغة بعد الحرب ، ونتيجة لزرع إسرائيل كدولة استيطانية في قلب العالم العربي ، سادت خلال الخمسينات والستينات صيغة سياسية للحكم في الجمهوريات العربية الناشئة مزدحمة بالكثير من الأحلام والأوهام . وها هي اليوم تواجه مصيرها المحتوم عبر سقوط مدوِ ، بعد أكثر من عقدين من سقوط التجربة الأصل التي شكلت القدوة والمثال .
حملت الصيغة المستحدثة طبقات جديدة إلى الحكم . واستولت على السلطة بفعل انقلابات عسكرية ، قادها ضباط وطنيون ومغامرون ( مصر – ليبيا – السودان – اليمن ) ، أو أحزاب أيديولوجية انقلابية ( سورية – العراق ) ، أو نهضت على خلفية قوى وأحزاب وطنية ، تصدت للنضال ضد الاستعمار ومن أجل الاستقلال ( تونس – الجزائر – اليمن الجنوبي ) ، فكان من الطبيعي أن تقود الدولة الوطنية الناشئة . ولأن الحكم الجديد قاطع الحياة الديمقراطية في بلاده ، وتنكر لمقتضيات الشرعية الدستورية ، التي تتأسس عليها الدولة الحديثة ، فقد اختط لنفسه ” شرعية ثورية ” ، يبرر فيها حالة الطوارىء والأحكام العرفية ، التي أتاحت له الانفراد بالحكم وفرض إرادته بالقوة العارية على البلاد والعباد وفق رغبوية فجة ، لا تأخذ دائماً حقوق الشعب ومصالح الوطن بعين الاعتبار . تم ذلك في ظل شعارات شعبية ، بعضها حقيقي وبعضها زائف ، أثارت اهتمام الناس ، ودغدغت مشاعرهم ، مثل : إحراز الاستقلال الوطني ، وإنجاز التوحيد القومي ، وتحقيق العدالة الاجتماعية والاشتراكية . وأسرفت السلطات في إغداق الوعود وإطلاق الخطط الخمسية ومشاريع التنمية الشاملة ، غير أن الحصيلة كانت متواضعة واحياناً بالغة السوء وأحياناً أخرى مدمرة . واختلطت الأحلام الموعودة بالأوهام المتكشفة . وبقيت الشعارات الكبرى التي غطت الشرعية المتآكلة للنظم مجرد شعارات ، وبدأت تأخذ طريقها إلى الإهمال والتندر والنسيان .
أظهرت الشعوب تسامحاً طال أمده مع النمط الاستبدادي للحكم ، مقابل آمال التنمية وبناء دولة قوية ومستقرة ، تواجه إسرائيل وتحرر الأراضي المحتلة ، وتقيم العدل والحرية ، وتحقق الكرامة الوطنية والوحدة العربية . فكانت النتيجة أن تلقت آمالها خيبة كبيرة ، وبقيت وجهاً لوجه أمام التهميش والفساد والعنف السلطوي العاري والتفريط بالمصالح الوطنية للشعب .
انكشفت هذه التجارب – التي اصطلح على تسميتها بـ ” حركة التحرر الوطني العربية ” – بهزيمة 1967 ، ووصلت إلى نهايتها المحتومة . إلا أن الوضع الدولي آنذاك ساعدها على التكيف مع الواقع الجديد ، فأفرزت من جلدها وروحها أنظمة جديدة- قديمة ، شكلت نظاماً عربياً متماثلاً ، رغم ملموسية الخصائص المميزة لكل نظام ، أُطلق عليه بكل جدارة واستحقاق ” نظام الاستبداد العربي ” ، الذي تسيَّد البلدان العربية منذ مطلع السبعينات . فتحولت الدولة إلى دولة أمنية . وأقامت الأجهزة السلطوية الضخمة ( حزبية كانت أم أمنية أم حكومية ) نظامها الشمولي الذي احتل كلاً من الدولة والمجتمع بوساطة عصبية فئوية جديدة ، حزبية هنا وطائفية هناك وقبلية هنالك ، وهي كل ذلك في مكان آخر . فتعسكرت الحياة العامة ، وألغيت السياسة من المجتمع لصالح الحزب القائد والحاكم الفرد . وتحول الشعب إلى رعية ، والحقوق المشروعة إلى عطاءات ومكرمات ، والدولة ومؤسساتها إلى عزبة للحاكمين وأولادهم وأقاربهم وزبانيتهم . ولم يعد الوطن لكل أبنائه . ومن أجل التغطية والتمويه على التهتك الذي أصاب شرعية الأنظمة نتيجة تصرفات الدولة البوليسية ، كان لا بد من توفير وسائل وأجهزة شكلانية جديدة ، تمثل اكسسوارات ضرورية للحكم وتجميل وجه النظام الاستبدادي ، الذي أخذ يتعرى بسرعة ، ويدخل في القمع والنهب ومعاداة شعبه أكثر فأكثر . مثل : الدستور المفصل على قياس الرئيس ويتعدل بإرادته ، ومجالس الشعب والشورى الصورية ، والجبهة الوطنية التقدمية والهيئات الاستشارية والتمثيلية المتنوعة . وتحت شعار التحديث وبناء ” الدولة الحديثة ” ، استمر إخضاع الناس بالإكراهات التقليدية القديمة والمستحدثة . وقدمت الحداثة على أنها تجديد في الشكل الخارجي واستيراد للتقنيات ودخول في عصر الاستهلاك . وقامت هذه النظم ” الثورية ” بشرعنة العنف في المجتمع عبر الإفراط في استخدامه خارج الإطار القانوني ، والاطمئنان لسياسات الاستئثار والتمييز والقمع التي اعتمدتها في العلاقة مع المجتمع وقواه السياسية والاجتماعية والاقتصادية . وخرقت قاعدة المواطنة بالتمييز على أساس سياسي أو قومي أو طائفي أو جهوي ، مما أضعف التماسك الاجتماعي والوطني للشعب ، وأدى إلى تكسير وحدته الوطنية ، وتبديد مخزونه الثقافي الإيجابي ومنظومة القيم السامية التي يؤمن بها .
شهدت هذه المرحلة المستمرة حتى اليوم تصاعداً في هيمنة أجهزة الضبط والربط والدعاية ، وتزايداً في ضيق دائرة السلطة الفعلية في الدولة وأصحاب القرار فيها ، حتى تركزت ببضعة أشخاص ، يشكلون أقارب الرئيس وصحبته وأزلامه . كما شهدت استيلاء غير مسبوق على مصادر السلطة والثروة في البلاد وتركزها في يد السلطة وأطرافها ، مع قدرة على استخدامها والتصرف بها دون رقيب أو حسيب . وشاعت أساليب النهب والفساد المنظم من أعلى هرم السلطة إلى أسفله ، وتغلغلت في ثنايا المجتمع والدولة حتى نخرتهما . وأدت فيما أدت إلى خراب الاقتصاد الوطني وإفقار الشعب ، وتعميم ثقافة التواطؤ والصمت والخنوع والكسب غير المشروع ( دبِّر رأسك ) .
وهكذا وصلت أكاذيب النضال الوطني ومشاريع التنمية الملفقة وإنجازات التطوير والتحديث وشعارات العدل الاجتماعي إلى نهاية كارثية ، هي نهايتها . وتكشف الوضع في البلاد عن حال مأساوية على جميع الصعد . فالبلاد التي أسست ممالك المدن الأولى في التاريخ ، وولدت على أرضها الامبراطوريات الكبرى وأقدم أشكال الدولة المركزية ، وانطلقت منها الرسالات السماوية ، تفشل دولها المعاصرة في القرن الحادي والعشرين في بناء وطن لأبنائها ، وتبقيهم عالة على شعوب الأرض . وصار التغيير ليس قضية حيوية ومطلوبة فقط ، وإنما مهمة إنقاذية للوطن والشعب في الوقت نفسه .
تونس . . دراما مدهشة
من المؤكد أن محمد البوعزيزي لم يتوقع أن يشعل لهيب جسمه المحترق شعلة الحرية في تونس . كما لم يكن لأكثر المحللين تفاؤلاً أن يتوقع احتراق هشيم الاستبداد بهذه السرعة وسقوطه من شرارة احتجاج فردية . لأن حالة الاحتقان والغليان والغضب التي تعتمل في صدور التونسيين منذ زمن ، وتتفاعل بين صفوفهم ، كانت مغطاة بقشرة واهية من غطرسة المتسلطين وإهمالهم البشع لأحوال الناس ، بالاستناد إلى أجهزة القمع والدعاية ، التي فقدت فعاليتها وصارت من الماضي . وكأن الشارع التونسي لم يكن ينتظر أكثر من تضامن سيدي بوزيد مع شهيدها ، لتنتقل موجة الاحتجاج والتضامن إلى باقي المدن التونسية ، تحت شعارات ومطالب اجتماعية واقتصادية في البدء ، ثم سرعان ما تحولت إلى الجوهر ، لتصبح شعارات سياسية ، تنشد الحكم الرشيد والحرية والكرامة والعدل .
كانت الحركة شبابية خالصة ، بنيت على أرضية المعرفة التقنية والصلات الألكترونية ، مستقلة عن الأحزاب والقوى ومراكز الفعل السياسي والنقابي . تحركها رغبة جامحة في استعادة الحضور الشاب في المعادلة الوطنية ، بعد طول تهميش واستبعاد . ورفض لاستمرار الوضع الاقتصادي والاجتماعي المزري وامتهان الكرامة . وهي تتوجه بقوة ووضوح إلى الانتفاض على الواقع وانتزاع الحقوق ” الشغل لنا استحقاق ياعصابة السراق ” . سرعان ما استجاب الاتحاد الوطني للشغل وتفاعل مع حركات الاحتجاج . وفعلت ذلك بعض منظمات المجتمع المدني الأخرى كاتحاد المحامين . وارتفع الصوت الهادر في الشوارع التونسية بمواجهة السلطة .
عمل نظام بن علي – الذي ينام على حرير استقرار كاذب ، ودعاية إنجازية دولية ، ودعم خارجي عند اللزوم – على مواجهة تحركات الشارع بالتهديد والوعيد واستخدام أجهزة القمع . ولما فشلت ، حاول الالتفاف على الانتفاضة بخطابات للتهدئة ، تدّعي تفهم الشباب ، وتعد بتلبية المطالب الاجتماعية كفرص العمل وغيرها . إلا أن الانتفاضة المتعاظمة صارت في موضع آخر ، تطالب باستعادة الحريات عبر نظام ديمقراطي تشارك في بنائه . وكان للجيش التونسي دور محوري وهام في انتصار الانتفاضة وخروج الديكتاتور مكرهاً إلى غير رجعة ، عندما رفض أن يستخدم كأداة قمع ضد الشعب ، وانحاز له .
وكأي مستبد غاصب ، لم ينس بن علي وأسرته وأتباعه أن ينهبوا من ثروة الوطن ما بدا لهم أثناء خروجهم . إضافة إلى المليارات التي كدسوها في البنوك الخارجية خلال فترة حكمهم . كما لن ينسى أبداً أن معاداة الشعب تفضي إلى السقوط والعزلة ، حتى من قبل الأصدقاء والمنتفعين من أفراد ودول ومنظمات ، وأن طائرته استجدت طويلاً مكاناً للهبوط ، قبل أن تعثر عليه شفقة وإحساناً . وكان من اللافت سرعة تخلي العديد من قيادات الحزب الحاكم عن مواقعهم وتبرؤهم من الحزب والابتعاد عنه كعنزة جرباء . وكذلك مقدار رفض الشعب للحزب الشمولي ، رغم أن التونسيين ناضلوا خلف هذا الحزب وفي صفوفه من أجل إحراز الاستقلال وبناء الدولة الوطنية . إنها حصيلة عقود التسلط والنهب والفساد في دولة استبدادية قائمة على منح امتيازات للحزب الحاكم وقهر المعارضين واضطهادهم .
لقد سعى التونسيون وراء إرادة الحياة ، وحطموا قيودهم وعجزهم ، وأنجزوا التغيير في بلادهم . فربحوا شرف الريادة في إعلان عصر التغيير الديمقراطي في المنطقة ، الذي سرعان ما تردد صداه في البلدان العربية ، وصارت مصر محطته الثانية .
التاريخ يصنع في بر مصر
يؤرخ الخامس والعشرون من كانون الثاني 2011 لليوم الأول من انطلاقة ثورة التغيير الديمقراطي في مصر ، وربما في العالم العربي ، وستأخذ مكانها المرموق في تاريخ العالم . ثورة شعب طفح به الكيل من معاناة الذل والخوف والفقر بعد عقود طويلة من حكم استبدادي ، أغرقه في التهميش والحرمان . فخلع خوفه ونزل إلى الشارع بغية إعادة الأمور إلى نصابها ، وفرض نفسه طرفاً في العملية السياسية ومشاركاً في تقرير مصير بلده . ما يجري في بر مصر إعلان عن عودة فاعل تاريخي اسمه الشعب إلى قلب المعادلة . وهذا ما تشير إليه بإلحاح بارز اليافطات المرفوعة في المدن المصرية ” الشعب يريد . . . ” .
تحرك الشارع المصري بإلهام من الشرارة التونسية . وكان التحرك شعبياً وليس نخبوياً . إذ لم يكن للأحزاب السياسية والمعارضة يد في تحريكها . فالشعوب التي منحت دعمها لمشاريع الحكم ، وتحملت كثيراً من نتائج سياساته ، وصبرت طويلاً على وهن النخب وإخفاقها ، هي نفسها اليوم التي تستعيد ثقتها بنفسها ، وتسحبها من الحاكمين ، معلنة جدارة الأجيال الشابة بانتزاع حقوقها ومباشرة مسؤولياتها في قيادة بلدها وصنع المستقبل . تشهد على ذلك سرعة انتقال الصوت الاحتجاجي من الشباب إلى عامة الشعب ، ومن الموضع المعاشي الاقتصادي والاجتماعي إلى الموضع السياسي حيث قضية الحريات وقضايا الوطن . بدأ الصوت بشعار ” خبز – حرية – عدالة اجتماعية ” ، وانتهى إلى ” الشعب يريد إسقاط النظام ” ، وقد فعل . . .
فاجأ الحدث المصري الجميع حكاماً ومحكومين ، حتى أولئك المعنيين والمهتمين على الساحة الدولية . كانت مفاجأة سارة للشعوب ، وتبعث الأمل . ومفاجأة مؤرقة للحكام العرب ، وغير سارة لبعض الجهات في أوروبا وأمريكا ، ومقلقة بل مخيفة لإسرائيل . مما يثبت أن القلق على الوجود والمصير والمستقبل ، ورغبة الرد على المهانة اللاحقة بالمواطن هو المحرك الأساس للفعل . وأن حركة الشعوب المنطلقة من ضمائر الناس ومعاناتهم ، يصعب التنبؤ بها وبنتائجها . وهذا هو الحال في جميع البلدان العربية ، وليس في مصر وحدها . ولا بد من ملاحظة وجود العربدة الإسرائيلية وانتهاك السيادة للأوطان والتلاعب بمصيرها ونهب ثرواتها في خلفية القطيعة بين السلطات العربية وشعوبها ، وفي قلب دوافع التغيير المنشود ، بهدف استعادة إرادة الشعوب وكرامتها المهدورة وحقوقها المسلوبة .
ليس الحدث المصري حدثاً محلياً بأي حال . إنه حدث عربي بامتياز . تشهد على ذلك الحقائق الجيوسياسية والتاريخية والثقافية للمنطقة . فمن طين مصر نشأت التيارات السياسية الكبرى في الوطن العربي ، ومن نيلها شربت ثقافة التنوير والفنون العصرية والصحافة الحرة ، وعلى أرضها نشأت مشاريع النهضة الحديثة . فمصر رافعة الأمة ، عندما تنهض ، لا يستطيع أحد أن يبقى نائماً . وإذا كبت ، أرخت بظلال الركود والهوان على المنطقة بكاملها . وهذا مبعث الحفاوة الشعبية العربية بثورة مصر وخوف الحكام العرب من تداعياتها . وهو ما يفسر أيضاً اهتمام العالم أجمع بالحدث ، وما أثاره من قلق وارتباك في الأوساط الدولية المعنية بالمنطقة ، وخوف لدى أصحاب مشاريع الهيمنة والاختراق للوضع العربي ، الذين استغلوا حضور مصر الباهت وغيابها عن ساحة الفعل ، وضعف دورها خلال المرحلة الماضية وعلى رأسهم إسرائيل .
فيما يجري بمصر دروس بليغة لمن له عين ترى وأذن تسمع . يأتي في أولها ، أن الأحكام العرفية والدعم الدولي وأكثر من مليون ونصف من رجال الأمن لم يشفعوا للنظام عندما كسر الشعب حاجز الخوف ، ولم يمكنوا مبارك من الاحتفاظ بالسلطة . وأن الدولة البوليسية مهما أظهرت من سطوتها ، لا تنجو من الانهيار عندما يقرر الشعب ذلك . ” فلا يبقى للديكتاتور غير حرسه الامبراطوري ” وثانيها ، أن تحطيم الأحزاب السياسية واضطهاد المعارضة لا يحول دون تقدم عوامل التغيير ونضوجها . فها هو الخطر يأتي الأنظمة من الشعب ، من مأمنها المفترض الذي اعتبرته خائفاً وعاجزاً ، وأن رشوة الشعب بتقديمات محدودة وتنازلات وهمية لم يعد يخدع أحداً . وثالثها ، أن السياسة لم تعد احترافاً ، تختص به القوى والاحزاب . فها هي الهتافات والشعارات والتصريحات للثوار المصريين تشي بأن الجيل العربي الشاب المستقل وغير المنتمي يعي كل متطلبات السياسة من خطابها إلى وسائلها إلى إجراءاتها . فلم ترتفع راية خاصة ولا شعار فئوي ، حتى بعد مشاركة الأحزاب في النشاطات الميدانية . فقد بقي الجميع تحت سقف الوطنية المصرية . وهو ما يبعث على الثقة ، ويشير إلى سقوط الرهانات الخاطئة للأنظمة وتوجاهاتها وقراءتها غير المطابقة للوقائع . رابعها ، أن محاولة الأنظمة لمواجهة الشارع المعارض الذي ينشد التغيير بحركة مقابلة من أزلامها وزبانيتها تهتف للنظام سرعان ما تبوء بالفشل ، كما حدث في مصر . ورغم شكلها العنيف والهمجي والقاسي ، لم يجن النظام من ورائها إلا خيبة محلية وفضيحة إعلامية وسياسية على الصعيد الخارجي . وأثبتت التحركات السلمية العزلاء – رغم التضحيات الجسام – قدرتها على تحقيق الأهداف . خامسها ، أن جميع أساليب خداع الشعب وطرق الالتفاف على مطالبه باتت مكشوفة . فالهدف واضح ومحدد : بناء دولة وطنية ديمقراطية حديثة ، تحقق سيادة الشعب ، وتقوم على مبدأ المواطنة ، وتحفظ الحياة الدستورية وسيادة القانون ، وتحترم الحريات العامة وحقوق الإنسان . وهذا يعني بكلمة واحدة التغيير .
إلى عصر الحرية من جديد
سيذكر العرب في قادم أيامهم الانتفاضة التونسية والثورة المصرية بكثير من الاحترام والتقدير والاعتراف بالجميل . فانهيار الاستبداد هناك وانتصار الديمقراطية ، يحمل تباشير انهياره في كل مكان من الأرض العربية وانتصار الديمقراطية فيها أيضاً . وسيكون لهما تأثير واضح على التحركات المشابهة الجارية في البلدان العربية الأخرى والتي ستجري . وقد بدأت تباشير هذه التفاعلات تأتي من الجزائر واليمن والسودان وغيرها من الدول العربية . وواهم من يعتقد أن بلاده تبقى في منأى عن تسونامي الحرية الذي انطلق من تونس ، واكتسى عباءته العربية في مصر . وهذا ما يؤهلنا كعرب دولاً وشعوباً وأمة للعودة إلى مسار التاريخ وعصر الحرية والديمقراطية . وهنا لابد من الإضاءة على الحقائق التي كشفت عنها تحركات الشعبين التونسي والمصري ، وسطرتها في الأدب السياسي لهذه المرحلة :
– سقوط فرضية العنف والانفلات الأمني والفوضى التي يمكن أن تترافق مع عملية التغيير . فما حصل من هذا القبيل كان هامشياً ومن صنع السلطة . فسقط بذلك الخيار الذي يطرحه الاستبداد لبقائه وهو : الاستقرار أو الفوضى ، وأخلى مكانه لخيار آخر هو : التغيير أو الخراب . لأن استمرار الوضع على ما هو عليه لا يؤول إلى غير ذلك .
– سقوط مقولة إن الشارع لا يتحرك إلا بوجود قيادات الأحزاب وزعماء العشائر وأصحاب المقامات الدينية والوجوه الاجتماعية . فقد انتفض الشارع بطاقة الشباب ، ويقدم قيادات جديدة ويرفعها .
– سقوط فزاعة التخويف من التيار الإسلامي الذي طالما رفعته الأنظمة في وجه معارضيها لإسكاتهم ، وفي وجه العالم الخارجي لابتزازه . ” إما نحن وإما التطرف الإسلامي ” . فها هو القسم الأعظم من الإسلاميين يتماهى مع حركة الشعب في حراك وطني من أجل دولة مدنية ديمقراطية .
– سقوط تهمة التدخلات الخارجية ، والتعامل مع الغرب وإسرائيل لكل تحرك اجتماعي أو مطلب سياسي تغييري يقوم به الشعب . فقد أظهرت وقائع الشهرين الماضيين أن الدول الغربية ليست مشغولة بقضايا الشعوب بل بمصالحها ، ولا يهمها انتصار الديمقراطية في بلادنا. وها هو موشيه أرينز أحد قادة العدو يعلن أن” السلام يصنع مع المستبدين” .
– سقوط فكرة التغيير القادم من الأعلى التي يروج لها البعض ، على اعتبار معارضة النظام هامشية ونخبوية ولا عمق لها . فقد أظهرت الوقائع أن الشعب بقضه وقضيضه معارض للنظام ، حتى مساحات واسعة من حزبه وحلفائه والأوساط التي يعتبرها مؤيدة له . فمعارضة الاستبداد هي الحقيقة الأصلب ، وليس موالاته .
وبعد . . ها هي عملية التغيير الديمقراطي في المنطقة قد بدأت . وها هي الشعوب تصحح مسيرة الأوطان من جديد ، وتنجز أجنداتها الخاصة بيد أبنائها ولمصلحتهم . والمطر الهاطل على أرض تونس ومصر ، لابد أن ينعش التراب السوري أيضاً .فالتغيير الوطني الديمقراطي في بلادنا حاجة إنقاذية مثلما هو في بقية البلدان العربية بل أكثر إلحاحاً . وهو على جدول أعمال الشعب والمعارضة الديمقراطية منذ زمن .
إننا نتوجه لجميع أبناء شعبنا السوري على اختلاف انتماءتهم ، وحيثما كانت مواقعهم في النظام أو المعارضة ، ولجميع القوى والأحزاب والتيارات السياسية والثقافية والفكرية والمنظمات النقابية بضرورة الإصغاء إلى صوت الشباب والهدير المكبوت لغضب الشعب وإرادته بالتغيير . من أجل الاستجابة لنداء التاريخ ، وتسهيل عبور سورية إلى التغيير الديمقراطي دون آلام وهزات وصراعات جانبية ، والمشاركة به كل من موقعه وباتجاه واحد هو تحقيق إرادة الشعب ومصلحة الوطن .
ونحن في حزب الشعب الديمقراطي السوري نؤكد من جديد كما أكدنا دائماً على أهمية الوحدة الوطنية في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى . وندعو كافة القوى والأحزاب إلى ضرورة بحث مهمات ومتوجبات هذه المرحلة الحساسة للخروج من حالة اليأس والإحباط ، وإهمال التناقضات الثانوية من أجل ملاقاة حركة الشباب وتطلعات شعبنا نحو التغيير .
إن صيغة الحكم المستمرة في سورية حكم عليها التاريخ وانتهت . وها هو عصر جديد ينفتح أمام صيغة الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على الخيار الشعبي ومبدأ المواطنة المتساوية ، وترتكز على مجموعة من الضوابط والتوازنات الدستورية والقانونية التي تؤمن الاستقرار والمحاسبة ، وتضمن عدم الانجرار إلى أي شكل من أشكال العنف والاستبعاد والانتقام .
فهل من الحكمة والواقعية أن تستمر السلطة في معاندة التاريخ والاستمرار في المعاناة ؟ ! فالتغيير قادم قادم .
تحية لأرواح شهداء الثورة والحرية في تونس ومصر ، ولكل من ساهم في هذا الانتصار .
تحية لمن يشارك في صنع التغيير . وتحية لكل من يضع يداً في هذه المسيرة لدفعها إلى الأمام . فإنه يضع يداً بيضاء في مستقبل سورية وحياة شعبها .
11 / 2 / 2011











