د. عبدالعاطي محمد
abdelaty@ahram.org.og
تداعيات ثورة25 يناير مستمرة ولن تتوقف إلي أن تكتمل دورة الثورة ذاتها من الانفجار الشعبي وإعلان التغيير الجذري إلي امتلاك السلطة. قد يطول الزمن قليلا إلي أن نري قيادات من ثورة الشباب في موقع صنع القرار واتخاذه, لكن الخوف كل الخوف أن تتعرض معالم التغيير التي توالت منذ ذلك اليوم التاريخي لعوامل التفتيت, عندما لا تلتقي الدولة أو النظام مع الثورة وقياداتها عند نقطة وفاق واتفاق علي معالم النظام الجديد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ورؤاه لقضايا الخارج.. الحوار هو الطريق الأفضل والوحيد الذي يمكن أن يتحرك من خلاله الطرفان لصياغة معالم مصر الجديدة, بينما العناد والاستقواء هما أكبر الأخطار التي يمكن أن تضيع علي مصر الفرصة التاريخية للتحول إلي عصر الحرية الحقيقية.. لقد بارك الملايين من المصريين هذه الثورة الشبابية من اللحظة الأولي, بغض النظر عن تحركات الثورة المضادة التي وجدت تعبيراتها في أكثر من مناسبة فارقة لعل أبرزها محاولة إجهاض الثورة عشية الخطاب التاريخي والمؤثر الذي ألقاه الرئيس مبارك معلنا فيه حزمة من الإجراءات الإصلاحية القوية, وذلك عندما تحرك البلطجية المدفوعون من قوي بعينها في النظام القديم أرادت أن تلقي بآخر أوراقها لمقاومة ما يجري في ميدان التحرير. لكن برغم التعاطف واسع النطاق من جموع الشعب مع مطالب ثورة الشباب, وقع رموزها وكذلك القوي التي أرادت أن تركب الموجة في خطأ العناد والاستقواء عندما وضعوا الناس أمام خيار واحد وهو أن يموتوا مقابل أن تنجح ثورتهم.. كل الثورات لم تتعامل مع محيطها الاجتماعي و السياسي بهذه الطريقة, حيث إنها تفتح دائما نافذة للتفاوض والحوار مع مطالب التغيير لتحقق أكبر قدر منها وليس كلها علي الإطلاق. نتائج الثورة لا تتحقق بهذه الطريقة, أي أن يخاطب الثوار أنفسهم وأن يتصرفوا علي شاكلة خنق الأمة كلها بنظامها ومؤسساتها وكيانها البشري لكي تتحقق المطالب.. ففي هذه الحالة تجد الثورة نفسها معزولة ولا تضمن لنفسها القاعدة الاجتماعية الصلبة التي تعطيها المشروعية..
ولكن بمضي الوقت وفي ظل تداعيات الحدث وردود الأفعال, تشكلت آفاق أرحب للخروج من مأزق العناد والاستقواء من الجانبين, النظام والثورة.. كان النظام حكيما بكل تأكيد عندما استجاب تدريجيا للمطالب من خلال القرارات التي صدرت بخصوص تعيين نائب للرئيس وتشكيل حكومة جديدة والتحفظ علي أموال رموز سابقين تسببوا في الكارثة سواء علي مستوي الحزب الحاكم أو الوزارة السابقة, وأتبعها بالتغييرات الكبيرة في قيادة الحزب الحاكم والتي كان أبرزها خروج السيد صفوت الشريف والسيد جمال مبارك, وتسليم القيادة للدكتور حسام بدراوي مع مجموعة أخري من رموز الحزب التي لم تتورط في أزمات عديدة تسبب فيها الحزب علي مدي السنوات الماضية, هذا فضلا عن إدارة الحوار مع شباب التحرير من ناحية وقوي المعارضة من ناحية أخري, والمستقلين من ناحية ثالثة, وكان لافتا للنظر أن النظام مد يديه إلي جماعة الإخوان المسلمين ليعطيها فرصة تاريخية عجزت عن تحقيقها منذ تأسيسها عام1928, فيما يعني تحولها إلي جماعة مشروعة, إلا أن الجماعة لم تكن بنفس حكمة النظام عندما ترددت في قبول الدعوة وراحت تؤجج نيران الثورة في ميدان التحرير اعتقادا منها بأن السلطة أصبحت قاب قوسين أو أدني في يديها..
شباب الثورة أصر علي مطالبه القصوي اعتقادا منه بأن هذا الإصرار هو وحده الكفيل بالحفاظ علي هذه الثورة وتحقيق نتائجها, لكن الحقائق علي الأرض كانت أكبر من هذا الإصرار ووضعتهم أمام سؤال صعب هو, إلي أين تمضي الثورة وما مستقبلها؟ لم يكونوا وحدهم في الساحة, فالتغيير الذي فجروه أصبح ملكا للشعب كله سواء بالنسبة للأغلبية الصامتة, أو للمتعاطفين والمؤيدين للنظام القديم, أو للأحزاب والقوي السياسية الوطنية علي اختلاف مشاربها, وهذه الأطراف جميعها ليست بالضرورة متوافقة مع أداء شباب التحرير, وإن كانت متفقة بالطبع معهم في الأهداف.. ومن جهة أخري جري تسيير الحياة الطبيعية في البلاد بعد أن استعاد النظام تماسكه وأعاد لدولته الهيبة, وبعد انفتاحه علي الحوار مع شباب التحرير, وفي ظل هذا الوضع بات شباب التحرير في مسار وبقية الشعب ودولته في مسار آخر, وبدا أن عناصر حسم الموقف الملتهب لم تعد في يد شباب التحرير وحدهم, وإنما في يد النظام الذي خاض حالة من تطهير نفسه واستعادة مقومات بقائه.
نقطة الحسم بين الطرفين تركزت في مسألة السلطة, فثوار شباب التحرير علي غير كل طريق الثورات خاضوا ثورتهم دون أن تكتمل بالحصول علي السلطة, وحدها جماعة الإخوان وبعض الحركات الأخري التي كانت تضع أعينها علي هذه المسألة وراحت ترفع الأحداث إلي أقصي درجات السخونة, تؤازرها في ذلك أطراف خارجية عديدة علي أمل أن تقبض علي السلطة بيديها, أما شباب التحرير فإنهم لأسباب عديدة كانوا بعيدين عن استكمال الثورة بالقبض علي السلطة, وربما حكمهم فكر واحد هو أن يضحوا بأنفسهم من أجل أن تتغير الحياة السياسية في مصر تماما دون أن تكون لديهم مطامع في الحصول علي السطة. وفي ظل هذه المفارقة أي أن يطرح ثوار التحرير أهدافا للتغيير دون أن تكون لديهم آلية لتحقيقها مستقبلا أو بمعني أصح دون أن تكون لديهم سلطة علي إحداث التغيير, تعدل المشهد تدريجيا في اتجاه التعامل مع الحوار بطريقة إيجابية, حيث لن تكون لهذه الثورة فائدة دون مشاركة أصحابها في الحوار مع نظام الرئيس مبارك حتي لو كان مرفوضا أو مكروها من جانبهم..
كان الحوار هو الطريق الوحيد الذي يبقي علي الثورة ويفتح أمامها أبواب المستقبل لتغيير وجه الحياة علي أرض مصر كلها.. هو الذي يحقق الأمن لرموزها, والذي يوجد لهم أرضية لمشاركة في اتخاذ القرار( المشاركة في السلطة طالما عجزوا عن امتلاكها تماما) والذي يجعل المستقبل لهم, لا لغيرهم.. عند هذا المنعطف بدأ شباب التحرير يفكر في تشكيل حزب سياسي باسمهم يدخلون به الانتخابات النيابية والرئاسية المقبلة لكي تنفتح آفاق السلطة أمامهم رحبة وحقيقية, وبذلك تكتمل دورة الثورة..
عندما يكتمل التحول علي هذا النحو فإن مصر تكون بذلك قد ضربت مثلا فريدا في تاريخ الأمم المعاصرة, فيما يتعلق بالانتقال السلمي للسلطة وإحداث التغيير الجذري في النظام القديم يقبل بالتغيير ويفتح أمامه الآليات السلمية لتحقيقه, والثوار يتسلمون السلطة لكي تصبح الثورة حقيقة علي أرض الواقع..











