مضحكات مبكيات أنظمة الاستبداد العربي كثيرات وإن تقيّأ العهر فولد لقيطهم الذي يروجونه عن “المؤامرة” المستمرة عليهم، وعلى وطن مقاساتهم . هذا ابن حرامهم الذي يجوب (دفاعهم) عن النفس ويوحّد ذعرهم، كما يوحّد أجهزة قمعهم وإعلامهم، واستبدادهم، وتخلفهم .
شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، ملكيات وجمهوريات وجملكيات وجماهيريات تنطق اليوم بلغة واحدة : المؤامرة التي يقودها الغرب ضدهم(ضدّ الوطن العربي) ووحدته(التي أنجزوها)، وقد يضيف البعض إليها بهارات جذّابة، وتسويقية عن القاعدة وسحرها الغريب النفّاذ، وقيادتها حركة الشارع المطالب بالحرية، أو حبوب الهلوسة والمخدرات(الإبداع القذأفي)، ناهيك عن (بعبع الإسلام والإسلاميين )، وعديد محلليهم الاستراتيجيين يتعمّقون فيتحفوننا بتفاصيل إبداعية عن أطوار” الشرق أوسطية”، و “تفتيتّ الدول العربية”، ونظريات” الفوضى الخلاقة” وغيره كثير من فزّاعات الفازعين، وشمّاعات المشمّعين، بينما تهم العمالة، والخيانة، والمرتزقة، والمأجورين بعض المكرور من قاموسهم المعهود .
لعل أطرف ما سمعناه أن الرئيس المخلوع مبارك، ووزير خارجيته أبو الأغواط تحدثا عن مؤامرة أمريكية، وغربية، أيضاً، للانقلاب على ذلك(النظام الوطني) ناصع البياض طوال حكمه!!، لذلك لا غرو أن يبحر القذافي في تداعياته، وأن يجاريه علي عبد الله صالح، وبشير السودان، وأوساط سعودية مختلفة.. في حين (يقبض) نظام الممانعة بالجرم المشهود على المؤامرة المتواصلة عليه(وعلى البلد)، فيتفنن في إبراز حقائقها كل يوم، بل كل ساعة.. وحبل النسج على منوال الانحدار .
****
الطفل، قبل الكبير، والمواطن العادي يدرك، بدون محللين ومنظرين استراتيجيين وفلكيين ومتنبئين أن للغرب مصالحه الحيوية في وطننا، وأنه للحفاظ عليها لديه مخططات متنوّعة، ووسائل مختلفة لتحقيقها، بما فيها شراء الذمم، وتجنيد العملاء، والتآمر المفضوح والسري، وبثّ الجواسيس، وحرب الإعلام والتركيب، والتأليف.. وصولاً إلى التدخل السافر، المباشر(العراق شاهد فظ، وقبله عشرات الوقائع، وفلسطين الجرح المفتوح) .
ويعي الجميع أن إدارات الحكومات الغربية(على العموم) ومراكز القرار والاحتكارات تركّز كثيراً على الوطن العربي بعديد مخططات الاحتواء، والنفوذ، ومحاربة القوى والاتجاهات المعادية له(عن حق وحقيق)، وأنها تتوسّل إلى ذلك أشكالاً كثيرة يخبرها القاصي والداني، ويمكن مسكها، ورؤيتها بالعين المجرّدة(وقد كُتبت فيها أطنان الكتب والدراسات والمقالات)، وأن تلك الإدارات غير شعوبها، وحركات حقوق الإنسان وهيئات المجتمع المدني فيها .
أكثر من ذلك يمكن القول دون تغوّل أو مبالغة أن الوطن العربي مبتلٍ بخصوصية تركيز الحركة الصهيونية عليه(وما أدراك ما الصهيونية وفعلها ومخططاتها)، وأنها تملك مشاريع تفتيتية استراتيجية لا تستثني وضعاً، أو بلداً، وأنها مندمجة، ومؤثرة في دوائر صنع القرار الغربي على العموم، وهي حالة أخطبوطية، بل سرطانية بالفعل، وتعمل ليل نهار لتفتيت المجتمعات العربية وشرخها عمودياً، وأفقيا، وبكل السبل والاتجاهات .. ويمكن المضي بعيداً في مؤامرات الصهيونية وكيانها، والمباشر والمخفي من مخططاتها، ناهيك عن ميادين العمالة والتجسس والاغتيال والأعمال الفجّة المعروفة، وحروبها المكشوفة على القوى الحيّة، والنظم الوطنية(أيام زمان) .
كل ذلك صحيح وفصيح، وكثير وكبير، وواضح ومخفي.. لكن ودونما حاجة للغوص في سراديب “مجاهيل” عمالة النظم العربية وتبعيتها، ولقاءاتها السرّية والعلنية بالصهاينة، أو محاولات فكّ شيفرة أسباب استقرار، وديمومة الحاكم العربي المستبد كل تلك العقود، وما يقال عن ماسونية متغلغلة(قديمة متجددة)، وعملاء من العيار الثقيل في مراكز صنع القرار لتلك النظم، وكل ما يحكى عن ارتباطات، أو أصول قديمة، أو ترتيبات سابقة ولاحقة، وحكايا كثيرة عن تاريخ هذا الحاكم أو ذاك، ومن جاء به، وحماه، ومنع سقوطه، فإن الأمور تقاس بنتائجها، ونتائج الوضع العربي تفصح عن نفسها بقسوة فجّة، مؤكدة أن إيصال الحال إلى ما هو عليه إنما كان بفعل رئيس، منهّج، أو بالنهاية، لممارسات تلك النظم على مدى عقود حكمها، وما أحدثته من تخريب وتجريف للمجتمعات والقوى السياسية وحقوق الشعوب ومصالح الأوطان العليا(بل وللقضايا الوطنية والقومية، ناهيك عن الحريات المشنوقة، وكرامة البشر المداسة ببساطيرهم، وما قامت به من عمل تفتيتي بعيد الغور، ومن إفساد منهّج، وتدمير الاقتصاد الوطني ومصّ دماء الشعب)، ومستوى تواطؤها مع الخارج المعادي، وتنفيذها المطلوب منها، أو عقد الصفقات المشبوهة .. يصبّ مباشرة، أو من حيث المآل بتلك المخططات و(المؤامرات) .
****
ـ إن فعل(الارتداد) بمعناه الشامل، على الاتجاهات الوطنية، ومحاولات إنجاز الاستقلال الفعلي، وتحطيم جوهر المشروع النهضوي، الوحدوي، الحداثي العربي.. إنما حدث على يد نظم الاستبداد، والأحادية بتخطيط، وخيارات سياسية واقتصادية واجتماعية عبّرت عن عمق التحوّلات التي حدثت فولّدت أبناءها : مافيا نهبية مكلوبة، وعن سيادة قوى الاغتيال المنظم في عموم النظم العربية(خاصة من كانت تنتمي، أو تدّعي الانتماء لحركات التحرر)، ولهذا فإن مجمل النتائج الكارثية، والأوضاع المتهاوية للأمة، وسلسلة التنازلات، والانهيارات، والتسويات والمقايضات، وعمليات الإفساد المنهّج، والفساد المعمم، وضرب اللحمة الوطنية.. إنما كانت الثمار المتلاحقة لما زرعته وحصدته، بشكل رئيس .
ـ ولئن كان لا يحق للنظام المصري(البائد) أبداً أن يتحدّث عن الوطنية، أو المؤامرة عليه(ذلك بمثابة النكتة الوقحة) صاحب السجل المخزي، فإن بقية لملمات النظام العربي لا تختلف عنه نوعياً، مهما كانت الشعارات الخلّبية المرفوعة، فسجلها حافل بالتواطؤ، والمشاركة المباشرة في تحطيم قوة، ومراكز الصمود والحياة العربية، بل والقيام بأخطر الأدوار وأقذرها في المنعطفات الهامة، وكلما طُلب منها ذلك . وما زالت فلسطين ولبنان بدءاً من عام 1975 وما تلا، وعراق 1991، وعراق2003، وفلسطين الحاضر، الغائب شواهد في الذاكرة، مثلما هي المجازر الدامية التي ارتكبت بحق الشعب، وعشرات آلاف المختفين، ومئات المناضلين الذين أمضوا أكثر من ربع قرن في المعتقلات دون تهمة أو محاكمة، وآلفاً مؤلفة من المهجّرين قسرياً، ناهيك عن مسلسل الاغتيال المنظم، والقتل المباشر والبطيء الذي مورس على عديد الرموز والقيادات والإطارات الوطنية .
****
ما يثير التفكّه حتى الضحك الذي يفقّع المرارة أن أنظمة التدمير والتبعية والنهب والفتك لا تخجل من استهزائها بعقل وذاكرة المواطن، وواقع حالها المفضوح، وكأنها في خندق معاداة أمريكا و”إسرائيل” والغرب الذي تعنيه فعلاً وحقيقة، وأنها حررت البلاد والعباد فلا أرضاً محتلة، ولا احتلالا فاحشاً جاثماً(بمساعدتهم وتواطؤهم) في العراق، وأنها وحّدت الوطن من المشرقين حتى المغربين، وأنجزت الاستقلال الاقتصادي، وأقامت العدالة الاجتماعية، ومجتمعات التكافل والتضامن، وحاربت الجهل والتخلف وإرث القرون بإدخال الأمة العصر، وتبوّؤها المكانة التي تستحقها، وحلّت مشاكل القوميات، والأديان والمذاهب والقبائل والعشائر والحارات والزنقات، واستثمرت ثروات البلاد في مشاريع استراتيجية تقضي على الفقر والبطالة، وخصصت نسبة كبيرة للبحث العلمي، ونجحت في إعادة عشرات آلاف العقول العلمية المهاجرة، ومحاربة الهجرة الانتحارية وأشباهها للشباب.. والكثير الكثير من فيض إنجازاتها الخارقة، ولم يبق سوى(شوية) أمور تخص جانب الحريات الديمقراطية التي تستلزم إعداد الشعب، أو استيراد شعوب أخرى مهيّئة لديمقراطية قيد أفكار القائد الفذ، والتي ستتفتق عبقريته عنها، وسيعلنها في الزمان والمكان المناسبين .. وأن أكوام أفضال نظام الاستبداد على شعوبنا تغفر له بعض التباطؤ في هذا المجال، خصوصاً وأنه كان على الدوام مشغولاً، وغارقاً في معارك التحرير، والتصدي للمؤامرات التي تستهدف الوطن، وفي هموم المواطن، ووسائل تقدمه ورفاهيته ..
فطوبى لكم حكام الدجل والفوات، قتلة الآمال والحرية والتقدّم والاستقلال الفعلي .
طوبى لكم وأنتم في صلب، وأساس مصائب الوطن وما صار إليه، وما حلّ به، على أيديكم من فظائع جعلته خارج التاريخ، ومهدداً بالخروج من الجغرافياً .
إنكم بالأصل أدوات المؤامرات وأخطبوطها الضارب، وإذا ما ارتفعت بيارق الحرية، ومطالب ترحيلكم على غيرها، لأنه لا حياة ولا دور ولا مستقبل لهذه الأمة طالما بقيتم في مواقعكم المغتصبة، وأن فتح الطريق أمام شعوبنا لا بدّ أن يعبر من خلال تكنيس وجودكم، واشتلاع مخلفاتكم .
المؤامرة التي بها تطبلون وتزمّرون، وتحاولون تشويه حركات المعارضة، والأجيال الشابّة التي تقرع أجراس مآتمكم هي أنتم وذيولكم، وهي حصونكم وقلاع دفاعكم الأخيرة حتى إذا ما تأكدّ الغرب(الرسمي) بأن أيامكم معدودات اضطر إلى سحب اعترافه بكم، والبحث عن موقع قدم في عاصفة التغيير، ومحاولة ركوب بعض أمواجها المتلاطمة .
*****
إننا نطمئنكم أن شعوبنا عندما تتسلم مقدراتها، وعندما تختار ممثليها، وتنشئ حياة ديمقراطية في إطار إقامة الدولة المدنية التي يتساوى فيها جميع المواطنين أمام القانون، ستعرف كيف تقيم التوازن في علاقاتها مع العالم الخارجي، وكيف تنتزع الاستقلال والحقوق المغتصبة، وكيف تنميّ وتوزع وتستثمر ثروات الوطن، وكيف تضع الأمة في العصر الحديث، وكيف تواجه إرثكم وما فعلته أياديكم الخبيثة، وما زرعتموه من أعمال مجرثمة لتشقيف الوحدة الوطنية، وحرف أنظار الشعب عنكم بتصعيد خلافات جانبية ليست الصراعات البينية، والطائفية، والدينية، والإثنية، والقبلية سوى بعض أوجهها .
الغرب الرسمي، ومعه الكيان الصهيوني، ومجاميع المتآمرين على وطننا يرعبهم ويرهبهم أن ينتزع الشعب حقوقه، وأن يقيم الدولة الديمقراطية، لأنه يعرف ـ بالتأكيد ـ أن شعباً حرّاً لا يمكن أن يرهن، أو يرتهن قراره، وأن رئيساً منتخباً يحتمي بشعبه(وليس بالخارج) سيتصرف في مقدرات وشؤون البلاد بما يحفظ ويحقق مصالحها العليا .
*****
بقي أن نقول أن محاولات (الخارج) لاختراق المجتمعات والقوى السياسية ليست حالة نادرة، أو مستحيلة الوقوع، فمثل ذلك مألوف في عموم المجتمعات والعمل السياسي، لكن بالوقت نفسه فإن اتهام الملايين الذين يواجهون الاستبداد بصدور عارية، وفي مقدمهم الأجيال الجديدة بالعمالة، أو بالانجرار إليها من خلال حفنة من العملاء الذين يمكن أن يندسّوا، إنما هو استمرار لنهج فوقي، ذاتي، مدان أسقطه الشارع العربي الذي أظهر وعياً متقدماً، وقدرات فائقة في التنظيم وتنهيج الخطوات، وفي محاولة الانتقال إلى مرحلة إقامة الدولة المدنية الجديدة .
ولئن يحاول البعض من مرتزقة الأوضاع الركوب على أمواج المرحلة، أو احتضانها.. فإن القوى الحيّة في الأمة، وفي مقدمها القوى المعارضة المناضلة رفضت وترفض الاستقواء بالأجنبي(الرسمي)، أو الانضواء في مشاريعه، وأعلنت مواقف واضحة في هذا الشأن وغيره، والذي كان الداعم الأكبر لأعداء الحرية والشعب .
إن تخصيب الأرض لإنبات الانفجار، ومن قبله اليأس بالتغيير، أو بالحدود المعقولة من الإصلاحات السياسية.. إنما يجري بفعل إصرار الاستبداد، نظام المافيا النهبية على مواصلة نهجه، واستخدام قواه الفتّاكة في مواجهة الشعوب العزلاء إلا من إيمانها بواجب وحتميات التغيير، وهو يفتح المجال لبعض النفوس المهزوزة بمحاولة شراء وهم الاتكاء على الخارج، بينما أكدت التجارب الدامية، والفرص الكثيرة التي أتيحت لتغيير الأوضاع سلمياً أنه(ذلك الغرب الرسمي) كان الحامي الأكبر للاستبداد، والمانع الفاعل في سقوط عديد تلك النظم منذ سنوات .
إن الشعب، وفي مقدمه الشباب، فاجأ دوائر المخابرات الغربية ومراكز بحثوها ووضعها في حيص بيص لأيام، حتى إذا ما تأكّد لها زخم وقوة الثورة استجابت لها تلك الأوساط بطريقتها، وبعضها حاول، ويحاول استثمار مرحلة الانتقال لصالحه، أو للجم تلك الثورات كي لا تذهب عميقاً في مجراها الطبيعي..
وكان كيان الاغتصاب، وما يزال، أكثر المرعوبين من (مفاجآت) الشارع العربي، وأكثر المتضررين مما حدث.. هو الذي استند عقوداً على تلك الأنظمة التي حققت له الاعتراف والهدوء على جبهات المواجهة كلها (سوى الحالة اللبنانية التي لا يوجد فيها نظام استبدادي)، ناهيك عن التسويات والتطبيع العلني والسري، والتنسيق الأمني وغيره .
****
الشعوب العربية تثور لأنها مقهورة، مضطهدة، منبوذة، مهمّشة، محتقرة، مهانة، مغيّبة ومقموعة .. وهي تدرك أن الطريق إلى حريتها لن يمرّ إلا عبر اشتلاع نظم الاستبداد وإقامة البديل..وهي مصممة ولن تخدعها فزّاعات المؤامرة، كما لن تخيفها، أو تثنيها التهم المعلبة التي ألفتها عقوداً .
الجزائر 1/3/ 2011




















