السجون في النظم المستبدة خارطة طريق للمعارضة، تبدأ بالتنكيل والتصفيات السريعة والطويلة الأجل، وتنتهي بانتصار القوة العارية على المجتمع ككل، وتعقد معه سلاماً مزيفاً، مبنياً على نهبه وخوفه. لهذا دوماً المعارض في الداخل له سمة البطولة والنبالة، وهذا أمر لا أعتقد أن هنالك من يختلف عليه، بغض النظر عن هذه الأطروحة أو تلك، لهذا المناضل أو ذاك. اختلف مع المفكر السجين ميشيل كيلو قبل سجنه حول بعض من مقولاته القومية، ولكن هذا لا ينفي عنه صفة البطولة، هذا ليس مدحاً لأحد بل هو إحقاق حق، لأن من عرف السجن كغالبية المعتقلين وخرج منه وعمل ثانية بالشأن العام في داخل الوطن، وهو مدرك بأن السجن هو الخيار الأرجح لعمله هذا ثانية، هو فعل بطولة ولكنه ليس فعل تحد أرعن، هو فعل انهمام بالشأن العام والوطني.
ومن الطبيعي أن يحاول من يخاف السجن ثانية أن يناضل تارة ويلتزم الصمت تارة أخرى أو يهرب، وأنا جربت كل الحالات. هذه المقدمة تقودنا الى أن الحديث عن المعارض من الخارج يبقى محفوفاً بالمخاطر، والانزلاق الفردي أو الكتلوي نحو معايير تنظيرية تأخذ أحياناً حاجات العيش في مجتمع غربي، فيوسم الفعل بأنه ارتزاق، وهذا في جانب منه صحيح مائة بالمائة. لهذا من المهم جداً أن نقف مع أنفسنا موقف الذي يسمح بإيجاد عتبة نقدية دوما بين الفرد المعارض عموماً والمعارض الذي له صفة الكاتب خصوصاً وبين الفرد بوصفه احتياجات يومية. هذه العتبة النقدية تجعلنا نرى الآخرين بمنظار أكثر موضوعية، وتجعلنا قدر الإمكان بعيدين عن مجانبة بعض من الحقائق لصالح حضور العيش ومتطلباته في مجتمع غربي. بالتأكيد كان الوضع بالنسبة لأي فرد يؤمن قوت يومه بشكل كريم في مجتمع غربي قبل أن يتفرغ لفعل معارض، أمر يجعله أكثر حرية في الاختيار، وأكثر نزاهة في تناول الفعل المعارض عموماً ويصبح النقد محمولاً على مبررات ذات أفق موضوعي. المجتمع الغربي يصون كرامة المواطن بشكل عام، حتى لو كان بلا عمل! اللهم إلا من هم في موقع المواصفات الشخصية التي تتصف بالطمع والجشع، فاحتياجاتهم تكون غير محدودة. ولهذا غالبية المعارضين في الخارج لا يحتاجون كثيراً لكي يخافوا من الموت جوعاً.
من هاتين المقدمتين نستطيع أن نطل على جانب مهم من الحاجة للديموقراطية بما هي تغيير للمعارضة والنظام معاً، وليس للنظام فقط. لأن الديموقراطية هي انفتاح على أفق جديد وتنضيد جديد وعلى تفاعلات جديدة للمجتمع، وعلى توزع جديد للقوى والمصالح مهما كانت متنافرة، مهمة جداً مقولة العيش في ظل القانون لكل تلك المصالح المتنافرة والتي لا يمكن أن تتعايش بدون دولة القانون، لهذا لا يمكننا الفصل بين الديموقراطية وبين دولة القانون. الفعل المعارض في هذا الزمن هو فعل استمراري، فعل تراكمي، وليس فعلاً انقلابياً، يحتاج الى حفنة من الانقلابيين وجريدة تنطق باسمهم “مخطط لينين التنظيمي“. التغيير السلمي هو الذي يجعل أيضاً كل المعارضين مجبرين على الانفتاح على بعضهم، لكي يشكلوا كتلة التغيير الضرورية لحماية التغيير نفسه، وبالتالي المجتمع. وهذه الكتلة تحتمل أن ينضم اليها في سياق عملية التغيير كل من له مصلحة بالديموقراطية. ولكن هل الانضمام اليها يعني أن يفترض أي فرد مهما كان وضعه أو كتلة حزبية مهما كان حجمها، أنها تستطيع قيادة هذه الكتلة وحدها دون فعل مؤسسي. ولهذا عندما تأتي الديموقراطية، يصبح عامل السجن غير قائم بالنسبة للمهتم بالشأن العام ويصبح الفعل المعارض غير ذي معنى بالنسبة لمعارضة الخارج، بل تصبح كل معارضة الخارج قولاً واحداً “بلا فائدة“ والنظام المتغير تنضم تنضيداته للقوى الاجتماعية الجديدة في ظل الديموقراطية.
ويتحول أعضاؤها بالضرورة الى ملحقين بالتنظيمات العلنية في سوريا الديموقراطية، ولأن التواصل والمصالح والسياسة والأهداف تكون قد تغيرت كلياً. مثال العراق رغم كل سلبياته، أين هي ما كان يطلق عليها سابقاً المعارضة العراقية، الآن أين ذهبت؟ لهذا يصبح القول أنه من المستحيل أن نجد معارضين على المقاس، أو نماذج متخيلة! نحن بشر ومنغمسون في الحياة، في الحزب الواحد يوجد المبدئي والانتهازي، البخيل والكريم، ويكون هنالك الأناني والمعطاء، يكون هنالك الدوغمائي والأكثر انفتاحاً، هنالك من يرى في نفسه قائداً أوحد. وهنالك من يرى في نفسه أنه لا يصلح أصلاً لقيادة خروف صغير. إنه التنوع والتنويع الانساني أصلاً. في ظل هذا التنوع علينا إنتاج كتلة التغيير هذه والقبول بالحدود الدنيا للاجتماع السياسي هذا حتى تأتي الديموقراطية.
كيف ستتعامل هذه الكتلة مع هذا التنوع الواقعي والحقيقي، هل تخفيه أم أنها تفتح حوله معارك ذات بعد شخصاني؟ هذه الكتلة تكون إحدى نويات الإفرازات الجديدة للمجتمع الديموقراطي المقبل، أليست هي جزءاً أصيلاً من بدايات التغيير السلمي الديموقراطي ومقدمته الكبرى؟ أستثني هنا بالطبع قوة الفعل الاستخباراتي للسلطات في اختراق الفعل المعارض، ولا أقيم لها وزناً كثيراً في تحليلي هذا رغم أهميتها، لأنها أيضاً جزء اصيل من الفعل الاستبدادي لأجهزة القوة الأمنية، وستبقى مهما فعلنا! النظام يخترق عبر هذه الأجهزة بلداناً أخرى، كلبنان مثلاً، فمن باب أولى أن يسعى دوماً لاختراق من يهددون سلطته كما يرى هو داخل سوريا. وهذه العملية أيضاً تصبح نافلة بعد التغيير، ويصبح المخبر كما هو المعارض المخبر جزءاً من التكوين الاجتماعي الجديد.
لأن الديموقراطية فعل سماح أيضاً، ما لم يكن الموضوع محكوماً بقانون واضح، يطال الجميع وهذا أمر غير ممكن مطلقاً في الوضعية السورية. لأن أجهزتنا الأمنية، حماها الله كما يحمي سوريا، لديها عشرات الآلاف إن لم نقل مئات الآلاف من هؤلاء المخبرين، كحال الفاسدين الذين بات لدينا منهم ملايين، ماذا تفعل الديموقراطية الوليدة معهم؟ بعد كل هذه الافتراضات المبعثرة من هنا وهناك، ألا نستطيع القول أن الديموقراطية السورية والحاجة إليها بشكل ملح جداً يعتبر إنقاذاً للمعارضة والنظام معاً، وبالتالي للوطن ككل؟ ولافتراضاتنا هذه بقية حديث.
(?) كاتب




















