يبدو أنه مع بداية عام 2011م، بدأ العدّ التنازلي لمواعيد إسقاط الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة للعديد من بلدان شرق أوسطنا الذي يمر بمرحلة مصيرية قد تكون فاتحة عصر جديد لشعوبنا المتعطشة للحرية ولتوفير العيش الآدمي الآمن في أوطانها التي يستلبها حكام شموليون يحكمون بالعرفي بلا رادع وينشرون بلا حساب مظالم إنسانية يندى لها جبين البشرية.
وبعكس ما كان يجري في العادة من تعتيم إعلامي لدى التعامل مع هكذا متطوّرات خلاقة لا بل ثورات عارمة، فإنّ الجديد في الأمر هو تطوّع وسائل إعلام مرئية ومسموعة ومقروءة وإنترنيتية بتغطية كل شاردة وواردة، مما أدّى ويؤدّي إلى تشجُّع أوساط شعبية واسعة وخاصة جيل الشباب للإنتفاض في وجه الإستبداديين ورفع شعار (الشعوب تريد إسقاط الأنظمة)، كما جرى في تونس ومصر اللتان أجبرتا بن علي ومبارك بالتنحي عن السلطة تحت ضغط الشارع، وما يجري في ليبيا واليمن والبحرين وما قد يجري في بلدان أخرى مرشَّحة لإستنساخ تجربة ثورة بوعزيزي التونسي الذي أشعل فتيل الإنتفاضة ليس في بلده فحسب بل في عموم أنحاء منطقتنا السائرة صوب تسطير تاريخ جديد ومشرّف ومبشِّر بالإتيان بفضاءات ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان والأمم بدلا من البقاء في غياهب هيمنة أحكام الطوارئ التي حوَّلت بلداننا إلى سجون جماعية تعتقل أهلها بالجملة.
إنّ هذا الراهن الإنتقالي المكتظ بالإحتقانات المتأهبة للإنفجار في بلد تلو الآخر، سيؤدي بالضرورة إلى محاصرة الحكام الجائرين بين فكَّي كماشة وفي خانة ضيقة تضعهم أمام خيارَين إثنين، فإما مراجعة الذات والتعقُّل والرحيل عن كرسي السلطة أو ركوب الرأس والتجبُّر والتدحرج إلى حافة هاوية تحدّي إرادة الشعوب المتمرِّدة التي لن تُقهَر وسيستجيب لها القدر عاجلا أم آجلا.
وفي خضم هذا الإهتمام الدولي المترافق بزخم إعلامي لم يسبقه مثيل في تاريخ معمورتنا، فإنّ هذه الثورات البيضاء قد باتت شغلا شاغلا لكل المهتمين بشؤون منطقتنا المقبلة على خارطة طريق يُحكى عنها الكثير، وليس من قبيل التحرّش بدواخل البلدان وإنما بحكم إنتماءنا الجيوسياسي لهذه الأوطان التي آوَتْ آباءنا وأجدادنا، فإنّ سخونة الأحداث السياسية الجارية تشدّنا وتشجعنا على الكتابة والخوض في الهموم والشجون والأوضاع المتردية المتأتية من هيمنة الأنظمة الشمولية على مدى قرون.
ومن باب التذكير ولعلّ الذكرى تنفع…، فإنّ السلوك العنفي لمختلف رؤساء الأنظمة المتورطين حتى آذانهم في إقحال البلاد واستعباد العباد، والمصرّين على مواجهة المدنيين بالرصاص وتحويل ثوراتنا الياسمينية البيضاء إلى دموية حمراء، لن يطيل أعمارهم ولن يُقدّم أو يُؤخر أي شيئ في معادلة حتمية زوال حكمهم، وهو سلوك خاسر في قضية واضحة كوضوح الشمس، فبدلا من أن يكتفوا بالغنائم والأموال التي استلبوها ويهربوا ويقوا أنفسهم من محاكم الشعوب، نجدهم لا يكترثون بما يجري حولهم ويريدون تحويل ديارنا الثائرة إلى أفران بشرية تفوح منها رائحة شواء أشلاء الأبرياء الرافعين لشعاري طفح الكيل وبلغ السيل الزبى ولا بديل عن الحرية.
في كل الأحوال، لا يجوز أن يلتزم أمثالنا بالصمت حيال هكذا ثورات مباركة وتستوجب منا إعلاء صوت الحق ونصرة الضحايا والتأكيد على الوقوف بلا تردد في صفّ كافة الشعوب المقهورة التي أراهن لا بل أجزم بأنها ستنال حقوقها المشروعة رغم أنف أصحاب التفكير الأوتوقراطي الزائل، وفي الوقت ذاته لا يُعقَل مطلقاً أن يلومنا أحدا عندما نبادر ونطلق تحليلاتنا إنطلاقاً من كوننا أناساً ديمقراطيين نريد العدل لنا ولغيرنا من الأمم ونُراكم سعينا في سبيل دمقرَطة بلداننا على أساس توافق مكوناتها القومية والدينية والطائفية (كالعربية والكوردية والسنية والشيعية والمسيحية والدارفورية والأمازيغية و…) التي ينبغي أن تتخلص من الأنظمة الإستبدادية وأن تطغى على علاقاتها البينية مناخات الألفة وحسن الجوار، لتصبح بلداننا دولاً دستورية يُلغى فيها إرهاب الدولة وتُمنَع المجازر الجماعية ويتحقق في رحابها الدستور والحق والقانون والتعددية والتداول السلمي للسلطة.




















