كنا نستمع لهواة تأليف و إلقاء الشعر في “كافا مينوس” وهي عادة واظبنا عليها مساء أول أربعاء من كل شهر. ويحتضن الكافا الميناوي في مثل هذا اليوم بضع عشرات من عشاق الشعر وبينهم أجانب وبيارته وأصحاب سوابق يسارية ممن انتعشوا أخيراً مع عودة أغاني الشيخ إمام إلى ميدان التحرير في القاهرة. في هذا اليوم بالذات رددنا جميعاً مع الفنان محمد الشعار أغنية “البحر بيضحك ليه وانا نازله اتدلع حامله الألل”.
فجأة خرج الدكتور سامر عن المزاج داعياً الرواد إلى المشاركة في تظاهرة اسقاط النظام الطائفي في 6 آذار، صاباً جام غضبه على أيام 8 و14 آذار وعلى الطبقة السياسية كلها، بمن فيها طبعاً أصحاب السوابق من كل الجنح و الإتجاهات.
وإذ انزعج البعض من إلقاء بيان سياسي “هام” في لقاء هام ولكن غير سياسي، تابع آخرون رائعة الشيخ – زين العابدين فؤاد “تجمعوا العشاق بسجن القلعة”.
وإذ يغمرنا الإعتزاز بالحماس عند هؤلاء الشباب وقد كرروا تظاهرتهم في 6 آذار بمشاركة بضعة آلاف، إلا أنك تتساءل حول حجم التعميم الحاصل بينهم في مسألة إدانة الطبقة السياسية برمتها مما يبدو وكأنه إدانة للسياسة بشكل عام، خصوصاً أن تظاهرتهم الثانية، ترافقت مع مسيرة نسائية من موقع جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه إلى ساحة الحرية.
لقد كان الشباب على حق حين انتقدوا تسلل مجموعات سياسية معينة أرادت ركوب موجتهم، خصوصاً أنهم من ضفة سياسية لطالما رفعت شعار إلغاء الطائفية السياسية رغم أنها مدججة بالمذهبية حتى الأسنان.
كنت أتمنى أن أكون بين هؤلاء الشباب، خصوصاً أن أهدافهم وشعاراتهم وحماستهم تشكل جاذباً لأمثالي ممن اعتبروا أن المواطنة الفعلية لا يمكن أن تنشأ إلا في رحاب نظام علماني ديموقراطي يرى أن الدين لله والوطن للجميع ولطالما انتميت لفئات اعتبرت دائماً أن الديموقراطية بمعناها الشامل هي أمل لا شفاء. ترى ماذا سيقول هؤلاء الشباب المتظاهرون عن معاناة مي شدياق وآلام زوجات زين الشباب سمير القصير وبيار الجميل ووالدة وسام عيد، وهل سيتذكرون مشهد نايلة تويني وهي مرمية على جثمان والدها الشهيد الذي أبت كرامته عليه إلا أن يسقط شهيداً بعد أن عيّروه بأنه يخاف من الموت فاستدرجوه.
طبعاً هؤلاء ليسوا الشهداء الوحيدين، فهناك شهداء المقاومة بوطنييها وإسلامييها وهناك شهداء الحرب الأهلية بمقاتليها ومدنييها وهناك شهداء الحروب الإسرائيلية على لبنان والحروب غير الاسرائيلية، حتى لكأن البلد اصبح كله شهيداً .
ولكن هؤلاء وآخرون معهم اغتيلوا لأنهم أصحاب آراء سياسية مختلفة، اغتيلوا في سياق تفكيك انتفاضة 14 آذار التي استقطبت أكثر من ربع اللبنانيين إلى ساحة الحرية في سابقة لم تحصل في أي مكان، ما يطرح أمام حركة شباب ضد النظام الطائفي سؤالين أساسيين:
أولاً: ما هو موقف هذه الحركة من الإغتيال السياسي الذي يرفع عملية كم الأفواه إلى مستوى تمزيقها مما لا يمنع الآخر فقط من التعبير بل يمنعه من الحياة أيضا.
ثانياً: واستطراداً ما هو موقفهم من العدالة عموماً، والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان تحديداً، خصوصاً أنه، في تعميم التشهير بالطبقة السياسية نوع من الإلغاء، وبلبلة مسألة الجريمة والعقاب الملازمة لأي نظام مدني ديموقراطي.
إن النظام الطائفي في لبنان، ليس معزولاً عن نسيج المجتمع وبناه المتكونة عبر مراحل تأسيسه المختلفة. وإذا كانت القوى الإقليمية والدولية بما فيها القوى الصهيونية والجار الشقيق والقوة الإيرانية المتطلعة لدور اقليمي كبير، فضلا عن النجم التركي المتألق صعوداً مع صعود حزب العدالة، دون أن ننسى قوى أخرى عربية وغربية عموماً، وأميركا وفرنسا والسعودية خصوصاً، إذا كانت هذه القوى تتعاطى أو تتلاعب بطريقة وبأخرى بالإنقسامات اللبنانية المذهبية، ما يجعل البلد ساحة مفتوحة، إلا أن ذلك لا يجعل من الواقع الطائفي المتجذر مؤامرة صهيونية وغربية، كما يردد كثيرون، بمن فيهم يساريون بارزون، و نخشى أن يظن “شباب غير طائفي” أنها قصة مؤامرة ينفذها ويعتاش عليها بضعة زعماء يعاونهم حاشية وميليشيات وأجهزة (متناتشة) ما يضعهم فوق البشر تماماً كمبارك وبن علي ومعمر وبقية الحكام والملوك والسلاطين.
وإذا كان من تشابه في بعض الملامح كعبادة الفرد والشخصانية، وإذا كان من تأكيد لمساوئ النظام الطائفي سواء على “الضفة المقاومة” أو على ضفة السيادة إلا أن قادة الطوائف هم زعماء فعليون لطوائفهم وأكثريتهم وصلت بانتخابات نزيهة وديموقراطية اقتراعاً واحتشاداً، ما يضع الشباب أمام مآزق جدية في توسيع حركتهم التي لن يزيدها وجود بعض المخضرمين “العلمانيين” إلا إرتباكاً، ذلك أن بعض هؤلاء لطالما أيد أو غض النظر عن ممارسة الطغاة وأشباه الطغاة في أكثر من مكان، وبعضهم يضع القاتل والضحية في سلة واحدة دون أن يرف له جفن.
إذن نحن أمام ثقافة الطوائف (حتى أن بعض قوى اليسار أصبحت كأنها طوائف) وقد تعززت لتتحول إلى ثقافة المذاهب التي تؤدي إلى محاصصات وتناتشات رديئة وصلت في السنوات الأخيرة إلى القضايا الكبيرة، فأصبحنا أمام طائفة سيادية وطائفة مقاومة وطائفة اقتصادية مما وضع مفهوم الدولة الموحدة في خطر، فأصبحنا أمام دولة ضعيفة ومستضعفة وطوائف قوية ومتناتشة. وهذا يوصلنا إلى السؤال التالي:
إذا كانت ثقافتنا الإجتماعية وبنانا القانونية تستند على هذا الواقع، فهل نستطيع تجاوزه إلى واقع آخر مع وجود غلبة طائفة على أخرى؟
إن قهر الغلبة يشكل ممراً إجبارياً لتغيير جدي في عقلية الطائفتين الأساسيتين المتسربلتين بالقلق والخوف، قلق إسلامي من علمنة ربما تؤدي للخروج عن الشريعة وخسارة الهوية وخوف مسيحي من الذوبان إذا ألغيت الطائفية السياسية.
إذن إننا أمام مشكلة هوية، لذا علينا أن نتقدم في إتجاه فكرة المواطنة التي لا تستقيم مع الغلبة الطائفية وإضعاف مؤسسات الدولة، ما يعني أن ثقافة المواطنة تتطلب دعم الدولة في مواجهة الدويلة، ومع تقدم ثقافة المواطنة تتراجع ثقافة الفساد والحماية الطائفية والفئوية المعطلة لطاقة القطاع العام والحابسة لكثير من المبادرات الخاصة، خصوصاً مع ازدياد التوتر والإحتقان نتيجة الغلبة الطائفية والمترافقة مع جر البلد إلى محور اقليمي معين، ليس مناقضاً فقط لمصالح اللبنانيين، بل لمصالح محيطهم العربي الأوسع.
ولنا أن نتذكر في هذا السياق كلمة محسن ابرهيم في أربعين الشهيد جورج حاوي، وهما رمزان علمانيان من رموز مقاومة النظام الطائفي اللبناني.
قال ابرهيم: لقد بالغنا بتحميل لبنان في القضية الفلسطينية أكثر مما يحتمل واستسهلنا ركوب مركب الحرب الأهلية الخشن ظناً منا، أننا بذلك نقصّر الطريق نحو برنامج الحركة الوطنية كمقدمة لنظام علماني ديموقراطي.
فهل يستطيع الشباب اللاطائفي أن يتجاهل قضايا المؤسسات والعدالة والدولة والغلبة الطائفية المستندة على السلاح الفئوي والذي يستطيع تغيير نتائج الإنتخابات ولو بطريقة دستورية؟ إذا كنا ممن انتقد وما زال ينتقد أداء قيادة 14 آذار، علما أننا لم نراهن عليها أصلاً بالنسبة للبنان علماني ديموقراطي باعتبارها جزءاً من التركيبة الطائفية، إلا أن الإغتيالات طالت قادتها والتفجيرات طالت سلطتها والإعتصامات (المانعة للإستثمار والحياة) طالت خطتها الإقتصادية والإنمائية، وصولاً الى 7 أيار البغيض وتداعياته المذهبية الخطيرة، خصوصاً في إذكاء الإنقسامات السنية الشيعية، ولم تنفع كل التنازلات والتسويات التي رغب البعض في الداخل والخارج إنجازها والتي شكلت من أجلها حكومة جامعة لم يسمح لها أن تحكم أو تجمع، تحت وطأة التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، بل جرى قهرها وقهر رئيس البلاد خلافاً للتعهدات، لمجرد أن رئيسها وحلفاءه حافظوا على حد أدنى من الكرامة والصمود والتمسك ببعض الثوابت الأساسية.
ولم تكن كل هذه الممارسات تعبيراً عن صراعات شخصية وطائفية فقط، بل أتت في سياق إضعاف سيادة الوطن ووضع مصير البلد بيد قوى إقليمية، ما يدفع الشباب اللاطائفي للتفكير بأن المواطنة تحتاج إلى وطن سيد حر مستقل وهذا ما يجمعهم مع شباب ثورة الأرز الذين انتفضوا من أجل التخلص من نظام أمني سياسي، شكل كارثة على الديموقراطية وعمل على سياسة فرّق تسد بين الطوائف والفئات والمناطق وحتى داخل كل فئة.
من هنا فإننا ننظر الى التحولات والثورات والإنقسامات، في العالم العربي وصولاً الى إيران باعتبارها تحمل سمات التحرر من الإستبداد على أنواعه وتتطلع إلى دمقرطة المجتمع والدخول في التحديث و الحداثة وهذا سيؤدي إلى مزيد من توحيد المجتمع والتصدي لقضايا الإنماء والفساد والديموقراطية دون خوف وهواجس، ما سيؤثر إيجاباً على واقعنا الإجتماعي بعد أن أثرنا إيجاباً بهم لسنوات، خصوصاً أننا شكلنا جسراً لعبور أفكار الحداثة بعد تراجع الدور المصري نتيجه عوامل كثيرة لسنا بصددها الآن.
كما ستؤدي هذه الثورات، خصوصاً عند امتدادها وإن متأخرة إلى دول الجوار وإيران طبعاً، إلى تجفيف منابع السلاح الفئوى ومنابع المال أيضا، خصوصا المؤدي لتفريخ الحركات المتطرفة على أنواعها، ما يضعنا ربما للمرة الأولى أمام مواجهة متوازنة ومتكافئة لقضايانا الوطنية والعربية وبالطبع القضايا الإقتصادية والإجتماعية والبيئية والثقافية وقضايا المرأة التي لايمكن دخول العالم المنتج والمتقدم فعليا دون مساواتها الكاملة مع الرجل. حينها سنكون مجبرين على إنجاز تسويات في إطار الدولة ما يقربنا أكثر، وضمن ظروف داخلية وخارجية أكثر ملائمة، من مجابهة قضايا النظام الطائفي المعيق والمعاق بعد أن تشعر الطوائف جميعها بأمان أكبر في محيط عربي و إسلامي أكثر ديموقراطية وأكثر انفتاحا وتسامحا مع الآخر. لا أحد يعتقد أن هؤلاء الشباب هم من السذاجة بمكان حتى يعتقدوا أنه بإلغاء الطائفية من النصوص تنتهي المشكلة، والإنتخابات البلدية والنقابية (غير الطائفية) خير دليل على ذلك، ولطالما سهرنا أياما وليالي في “تخييط” الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية بالإبر المذهبية والفئوية والمناطقية، مع أن أكثريتنا كانت علمانية حتى العظم.
أما كم سيستغرق ذلك من الوقت، فتلك نبوءة لا نقدر عليها، خصوصا أن سمة المرحلة المقبلة هي الخروج وإن بألم من عالم التنبؤ والخرافة والدخول وإن بتأنٍ إلى عالم العقل والمعرفة، ما يجعلنا نسترجع كبير فلاسفتنا ابن رشد من جيراننا الأوروبيين بعد أن فقدناه عندهم طويلا.




















