من الملاحظ انه في معظم مراحل التغيير الذي تشهده المنطقة العربية يزداد تهميش ما يمكن تسميته المسألة الوطنية.
في كل الأحداث المصرية لم تكن المسألة الوطنية موضع خلاف لأنها لم تطرح اًصلا. ومحاولات إسباغ معنى وطني على الإنتفاضة ضد حسني مبارك، بقيت خارجية، ثم تبددت مع انتقال عدوى التغيير الى سوريا، حصن الممانعة.
المسألة المرشحة لإكتساب وزن خاص في مصر هي موقع الإسلام في المجتمع والدولة. وما ينذر بالخطرعلى هذا الصعيد، تعايش مظاهر التقدم الخاصة بتداول السلطة، مع مظاهر التخلف الخاصة بالإحتكاكات بين المسلمين والمسيحيين.”كمب ديفيد” بقي على الرف، وضمانته المتمثلة بالمؤسسة العسكرية لا تتعرض للإنتقاد الا في ما خص تساهلها مع رموز النظام القديم.
سوريا التي اعتقد نظامها في البداية انه محصن ضد الإضطرابات بسبب موقعه الوطني في مواجهة اسرائيل، تشهد اليوم تهميشا للخطاب الوطني، لمصلحة الجدل حول قدرة النظام على اصلاح نفسه. لم تختف الإتهامات للولايات المتحدة واسرائيل بالضلوع في اثارة الاضطرابات، لكن “المناقشات” الجدية، بين النظام والمعارضة، وداخل اطياف هذه، هي حول “جرعة الإصلاح” التي تستطيع سوريا استيعابها مع بقائها واحدة اجتماعيا وسياسيا.
وحده المكون الإسلامي في حركة التغيير السورية يبدو غير معني بالآثار المتوقعة لتغيير في النظام، مما يطرح قضية المقارنة بين دور الإسلاميين المختلف في كل من مصر وسوريا، ربما لإختلاف دور “الشباب” في كل من البلدين.
يمن ما قبل شعار “ارحل” الموجه للرئيس علي عبدالله صالح كان يمن التخوف من الحركات الإنفصالية في الشمال والجنوب.لكن الحركات الإحتجاجية التي تنتشر في المحافظات اليمنية، ومعها التفكك في الجيش، وظهور القبائل في خلفية “ساحة التغيير”، لا تثير هذه الأيام هواجس وطنية، الا ربما لدى…الولايات المتحدة الخائفة من “الصوملة”!
وحدها “المسألة الشيعية ” في البحرين حظيت بإهتمام “وطني”. لم تتأجل الهواجس، ولم يُعطَ التغيير فرصة ان يرتب أموره بنفسه كما هي الحال في كل مواقعه المهددة بالتفكك، بدءا من ليبيا. هنا كان التفاهم ، المحلي-الدولي، تاما على سدّ الطريق امام ايران. ولا تزال الوطنية، بما هي اولوية المحافظة على الكيان، حاجزا خليجيا، فيما يتولى الخليج نفسه قيادة التغيير في الساحات الأخرى.
المواقع المتقدمة تاريخيا في المسألة الوطنية العربية، بشقّيها، أي بالعلاقة مع اسرائيل أو دعما للكيان العربي، هي الأكثر تعرّضا اليوم لتهميش المسألة الوطنية. الأرجح ان الإفراط في استخدام القضية الوطنية واسطة تماسك للنظام أكسب شعوبها مناعة…ضدها.
mouhammad.ibrahim@annahar.com.lb
“النهار”




















