ثورة الشعب السوري تدخل أسبوعها السابع. الصدام بين الشعب والنظام يصل أبعادا لا تدع مجالا للشك، بأن واقع ما قبل هذه الإنتفاضة قد ولى إلى غير رجعة، وهو أمر يحاول النظام وسعه عدم التسليم به من خلال التمادى في تصعيد إرهابه وإجرامه ضد المواطنين العزل، عله يستطيع إعادة الرعب إليهم من بطشه، فيعودوا صاغرين من جديد إلى قفص العبودية.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا على ماذا يراهن النظام لتغيير المعادلة لصالحه من جديد؟
قبل الإجابة على هذا السؤال بشكل مباشر، أود الإشارة إلى أن النظام يدرك جيدا أن الإنتفاضة قد أفقدته الى حد كبير إحدى ثلاث دعائم، تشكل الأساس في سياسته الداخلية وهو إرهاب الدولة المطبق، الذي كان يحيط بكيان الإنسان من كل جانب، يردع كل نزعة أو حلم لديه لتخطي حاجز الرعب، ويبقي الجميع خاضعين لقدر الإذعان الأبدي له. النظام يدرك جيدا أن فقدانه لهذه الدعامة سوف يعني سقوطه الحتمي ولهذا بالتحديد لا يستطيع الإقرار بمثل هذه النتيجة من جهة، ولا يستطيع تلبية الدعوات التي تأتيه من كل حدب وصوب لإجراء إصلاحات فعلية ودون تأخير في نظامه تلاقي بعض مطالب المحتجين من جهة ثانية.
هذا ما يفسر تطور الأحداث بعد الإعلان عن إلغاء حالة الطوارئ. النظام كان يرى في هذا الإعلان مجرد خطوة تكتيكية، مطلوب منها سحب الحجة من المحتجين كي يعودوا إلى بيت الطاعة، وإرضاء الميديا والمحيط الخارجي العربي والإقليمي وحتى الدولي، الذي يحتاج الى ذريعة للسكوت والتغطية عليه. ولو كان النظام صادقا في إلغاء حالة الطوارئ، لكان عليه أن يقوم بحل أو تفكيك أجهزة “الأمن” وهي في الحقيقة أجهزة إرهاب الدولة، المعنية حصرا بإرهاب الناس أفرادا ومجتمعا وهي المتصلة كينونة بحالة الطوارئ ولا معنى لوجودها خارجها.
عندما لم يفلح هذا الطعم بإسكات الإحتجاجات، لجأ النظام فورا إلى التصعيد الإرهابي، وأبدل حالة الطوارئ بحالة الإحتلال العسكري المباشر على المدن والقرى الثائرة، وضاعف خلال أيام قليلة أعداد الشهداء والجرحى والمعتقلين، وهو الآن يرتكب في درعا الباسلة وحوران البطلة جرائم يندى لها جبين الإنسانية، تتجاوز في بشاعتها جرائم الصهاينة في الأراضي المحتلة وتعبر في جوهرها عن مدى الحقد الدفين الذي يكنه هذا النظام لشعبه وحالة العداء الجذرية بينهما.
وأعود للإجابة على السؤال سابق الذكر:
النظام لا يزال يراهن على إحتفاظه بكل دعائم سياسته الداخلية المعروفة وهي الإستبداد “وانا أسميه إرهاب الدولة” والفساد والطائفية أو سياسة فرق تسد.
كل من تلك الدعائم لها في الأساس وبغض النظر عن الجوانب الأخرى، غاية براغماتية، فإرهاب الدولة غايته ضمان إذعان الناس للنظام أولا وقبل كل شيء. غايته أن يرى الناس سلفا الثمن الباهظ الذي ينتظر كل من تسول له نفسه الإقدام على أي فعل معارض للنظام، وأن يدرك الناس من ناحية أخرى أن من سيكونون على إستعداد لدفع ثمن ما، مقابل توقهم للتغيير ستكون قلة قليلة وهذا ما سيؤدي بالتالي إلى فقدان الأمل بالتغيير وهو المطلوب هنا.
إنتفاضة الشعب السوري زعزعت هذه الدعامة إلى حد بعيد، فقد خرجت محافظة حوران عن بكرة أبيها عن طاعة النظام، وتلتها بانياس وجماهير واسعة من حمص واللاذقية وطرطوس وجبلة وريف دمشق والجزيرة ودير الزور والرقة وحماه وريف حلب ….
هذه الجماهير، وبغض النظر عن الظروف والأسباب التي دفعتها أخيرا إلى كسر حاجز الصمت والخوف، هي أصبحت تعرف طعم الحرية وطعم تحدي غريزة البقاء البهيمية، لتنتقل إلى طور تبني قيم ومشاعر إنسانية برغم الثمن الباهظ، الذي دفعته وتدفعه يوميا ثمنا لذلك الإرتقاء الإنساني في الأعراس الدموية للتمرد على هذا النظام العاتي.
هذه الجماهير لن تعود مجددا إلى حظيرة الذل والعبودية ولن يتمكن النظام قط من إعادة السيطرة عليها مهما تمادى في بربريته. لكن مع ذلك يجب أن نعترف أن النظام لا يزال يخضع القسم الأكبر من الشعب السوري وينجح في الإستمرار في ذلك الإخضاع وخاصة في قلب المدن الكبرى دمشق وحلب برغم المدة الزمنية الطويلة نسبيا للثورة وبرغم قوة المثل في المآثر الكبرى لأبناء المناطق المنتفضة وبرغم كل المجازر البربرية التي يرتكبها النظام بحق المدن والقرى المنتفضة، التي لم تستطع أن توقظ بعد، الحس والضمير الإنسانيين والشعور بالإنتماء الوطني عند هذا القسم من الشعب السوري. النظام لا يزال يراهن هنا على تمكنه من الحفاظ على حالة الإنحطاط الإنساني عند هذا القسم من الشعب السوري والإبقاء على هذا الوضع، الذي يظن أنه سيمكنه خلال زمن محدود من التفرغ لإخماد بؤر الثورة بكل الوسائل المتاحة لديه، ويكون بذلك قد ربح المعركة.
في خدمة هذا الرهان يلجأ النظام إلى كل أنواع التضليل والتلفيق والكذب الإعلامي لإلصاق تهم الأصولية والسلفية والإرهاب بالثورة، كي يردع أبناء الطوائف والمذاهب غير السنية عن الإنخراط بها، وإمعانا في سياسة فرق تسد، التي تشكل إحدى دعائم سياسته الداخلية، كما سبق وذكرت.
إن إمعان النظام في تأجيج العواطف والمخاوف الطائفية في المجتمع السوري يشير إلى أن النظام يستعد إلى سيناريو قد يتمثل في تقسيم البلد، إن هو فشل في إعادة السيطرة من جديد على المجتمع السوري. النظام كان يدعم بشكل ممنهج وملفت للنظر خلال العقد الأخير، تعميق التوجهات والتنظيمات والجمعيات الدينية في المجتمع لجميع الطوائف وبحيث تكون تحت رقابته الأمنية.
كل هذه التنظيمات والجمعيات الدينية كانت ولا تزال تخدم أجندة النظام في تعميق الفرقة ورفع الأسوار بين مكونات الشعب السوري بحيث تسهل لأجهزة النظام إبقاء سيطرته عليها جميعا.
الرهان الآخر للنظام هو بلا شك أمله في جر الثورة للتخلي عن سلميتها وجرها للسيناريو الليبي، بما يتيح له لاحقا إستخدام ترسانته القمعية والعسكرية على نطاق غير محدود وبشكل مبرر أمام المجتمع السوري والعالمي ووسائل الإعلام. وكما سبق وذكرت فهو يلفق عن طريق وسائل إعلامه وقائع وأحداث تشير إلى وجود عصابات إرهابية مسلحة، هي المسؤولة عن سقوط الضحايا بين العسكريين والمدنيين.
رهان الثورة هو بطبيعة الحال، أو يجب أن يكون إسقاط كل رهانات النظام، أي الإبقاء على جذوتها والصمود أمام محاولات التصفية إلى زمن تتمكن فيه من توسيع رقعتها الجغرافية وصولا إلى ذلك القسم من الشعب السوري الذي لا يزال خاضعا مذعنا أو مخدوعا بماهية النظام. وإذا فالصمود والتصعيد الإحتجاجي السلمي هما الرهان الأول للثورة. إن نجاح الثورة في هذا الرهان، ولو كلف ذلك المزيد من التضحيات، سيكون الكفيل ولو بعد حين، بإيقاظ الحس الإنساني والوطني لذلك الجزء من الشعب السوري، الذي لا يزال لا يريد المساهمة في دفع ثمن الحرية، أو الذي لا يزال مخدوعا بالآلة الإعلامية للنظام ويخشى التغيير خوفا من سيطرة الإسلاميين والأصوليين. هذا الخوف يعززه ويساهم فيه بكل أسف مساعي بعض القوى الإسلامية لركوب الثورة ومنحها لونا طائفيا واحدا، أو ببساطة لإطلاق العنان لعواطفها الدينية أو المذهبية وهو ما لم يكن ولن يكون في خدمة الثورة، بل يقدم خدمات مجانية لإعلام النظام وأجنداته.
يجب إدراك أن الثورة مهما توسعت، فإنها لن تبلغ مرحلة النجاح الكامل إن لم تتمكن من أن تكون ثورة الشعب السوري بكل أطيافه الدينية والعرقية ودون أن يكون عنوانها الحرية والكرامة والمساواة للجميع. الثورة بكلمة أخرى، يجب أن تبقى هي المعنية بإسقاط أسوار الطائفية والمذهبية البغيضتين.
v تنويه: هيئة التحرير لا تتبنى العديد من الأفكار التي وردت في هذا المقال، ولكننا آثرنا إبقاءه كما هو حرصاً على حرية التعبير










