ـ كتبت كثيرا عن سورية في الفترة الأخيرة مدفوعا بالأحداث التي تجري فيها والاهتمام الإعلامي والتلفزيوني بها، فكان هناك من أعجبهم ما كتبت وقالوا إنني أكتب بروح سورية، وكان هناك من ساءهم كل ما كتبت واستخسروا فيّ أن أحاول لأنني ـ في نظرهم ـ بعيد عن بلادهم وجاهل بها ـ فقال بعضهم في مراسلات خاصة: ‘أشو دخلك فينا أنت كمان!؟’.
اليوم، ومع الاعتذار سلفا لأصحاب ‘أشو دخلك فينا أنت كمان؟’، أجد نفسي مضطرا للعودة الى الموضوع السوري، لأنني وقفت على ما يستحق العودة فعلا وأرى حاجة لتسجيل موقف: تهنئة خاصة الى الرئيس بشار الأسد. والذي يدفعني إليها هو اللبناني ناصر قنديل الذي يُعرّف في أسفل الشاشة بـ’مدير مركز الشرق’. وهذه المراكز مثل الصحون الطائرة نسمع بها جميعا ولا أحد يراها، ولو أحصينا ما كُتب أسفل شاشات الفضائيات العربية من مراكز وتخصصات مرفقة مع أسماء أشخاص، لضاقت بنا سجلات حقوق التأليف، أو لا أدري في أي مكان يتم تسجيل مثل هذه الصحون الطائرة.
عموما.. كنت مساء الأحد بصدد البحث في جهاز الالتقاط التلفزيوني (الهوائي المقعّر بلغة الجزائريين، رغم ما في الكلمة من عيب!) عن الفضائية الليبية الخضراء التي فقدتها منذ أسابيع ولا أعرف بعد هل بسبب القصف الغربي المتواصل على أجهزة الاتصالات في طرابلس، أم لأنها تغيّر إحداثياتها مثلما يغيّر ‘بابا معمر’ مخابئه.. كنت أبحث عن الفضائية الليبية فعثرت على محطة فضائية سورية اسمها ‘الدنيا’، وهي قناة معقولة شكلا على الأقل، لأنها أفضل بكثير من أغلب الفضائيات الحكومية في المنطقة العربية.
بالصدفة كان ناصر قنديل في برنامج يدلي بدلوه منفردا تحاوره مذيعة عن سورية وما يحدث فيها بكل التفاصيل المملة. كان حوارا أحادي الاتجاه مع مذيعة بالكاد تحرك رأسها أو تدفع محاورها الى الأمام عندما تخشى أنه سيتوقف، وهو ليس من صنف المتحدثين الذي يصمتون من تلقاء أنفسهم.
بحكم المشاهدة والتراكم وانقسام الناس الى طائفتين ‘معنا’ (يعني ضدهم) أو ‘معهم’ (يعني ضدنا) بسبب ما جرى ويجري في هذه المنطقة الموبوءة، أزعم أنني أعرف قليلا رأي قنديل في هذه الأحداث من المنطقة عموما وموقفه من نظام البعث الحاكم في سورية والمؤامرة الدولية عليها خصوصا.. فقد استمعت له هنا وهناك، قبل هذه الأحداث، مدافعا شرسا عن الرئيس بشار الأسد وعائلته وعن سورية وعن المقاومة وغيرها. وهو أيضا من المتحدثين التلفزيونيين الذين يخاطبون المذيعين بالقول: خلّيني أقول لك عن دراسة نُشرت في أمريكا جاء فيها كذا وكذا، ومقال نشره كاتب اسرائيلي فيه كذا وكذا. والكذا وكذا هو دائما ما يناسب ويعزز كلامه، من دون الاكتراث كثيرا للدقة في الاسماء والتواريخ والمراجع المستند إليها، كما تقتضي أصول النقل والنسخ العلمي. لكنني بقيت أتابع كلامه مشدودا بقدرته على الخطابة والاسترسال، غير آبه ـ هو ـ بالأفكار وبمضمون ما يقول. مع هؤلاء تشدك طريقة الكلام والجرأة فيه أكثر من الكلام ذاته أو الفكرة المطروحة. والصناعة التلفزيونية، في نهاية المطاف، هي صخب وضجيج وثرثرة، فهل اشتهر ‘الاتجاه المعاكس’ بمعلومة مفيدة أو نقاش سياسي هادئ؟
دامت المقابلة ـ المونولوغ ـ أزيد من ساعتين تجولت خلالهما مرات ومرات بين القنوات، وعدت ثم غادرت فعدت، وهو على النغمة ذاتها والتصميم ذاته.
ساعتان من الكلام بلا كلل أو ملل مدافعا عن قضية لا تمتلك الكثير من مقومات الصمود والنجاح. يجب أن تجرؤ أولاً وتفعلها ثانيا، يا إخوان.
في ختام المقابلة ـ المونولوغ ـ اقتنعت بأن الرئيس السوري محظوظ حقا. انتابتني رغبة صادقة في أن أهنئه على فوزه بهذا الخطيب المفوه الذي يدافع عنه في مثل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها سورية وعرين الأسد.
لقد اجتهدت لأجد رئيسا أو ملكا عربيا له من يدافع عنه مثلما يدافع قنديل عن الأسد فلم أجد. حتى من بني جلدتهم، يصعب أن يجد القادة العرب الذين ‘وحلنا’ معهم واحدا بمثل هذه الجرأة والفصاحة والاسترسال يدافع عنهم في الظروف العصيبة.
تذكرت ‘بابا معمر’ مسكين! انتهى به الأمر وحيدا مثل كولونيل الكاتب العالمي غارسيا ماركيز، لا أحد يراسله ولا أحد يسأل عنه غير يوسف شاكير ببيضه الأخضر وريحه الصفراء وتراتيل استحضار الجن. وهذا الأخير فقدته أنا كأحد المعجبين به والأوفياء لجرأته وهو ينصب بإلى ويرفع بعلى ويحرّف القرآن الكريم.
الأجمل في حظ الرئيس الأسد أن هذا الخطيب المفوه ليس سورياً، بل هو لبناني من الذين يبعثون فيك رغبة قوية في معرفة نوعية السحر الذي مارسته سورية لتنتصر لها كتائب من السياسيين واللبنانيين في بلاد الأرز. إني فعلا أحسد الأسد وكل من رضى عنهم ناصر قنديل فغمرتهم عنايته.
بعض الذين عرفوا قنديل، قالوا إنه اليوم ‘ولا شيء’ وإنه قبل عشرين سنة وأزيد كان ‘بلوى غير شكل’ من حيث الخطابة والكلام. لسوء حظنا أن القنوات الفضائية تأخرت في الظهور فتأخرت معها معرفتنا بناصر قنديل.
وبعد، ألا يستحق الرئيس الأسد التهنئة على هذا الحظ؟
موعد النشرة الرئيسية
منذئذ بقيت مواظبا على ‘الدنيا’ وما فيها، وقد وضعتها في الترتيب بعد الفضائية السورية الحكومية (لزوم الواجب لأولي الأمر) وقبل محطة فضائية اسمها ‘اورينت’ (الشرق). هكذا يسهل علي الانتقال في البحر السوري من دون عناء كبير (مع الاعتذار مجددا لأصحاب ‘إشو دخلك فينا أنت كمان؟’).
صباح أمس الخميس كانت ‘الدنيا’ تروج لمقابلة حصرية مع الإعلامي اللبناني التونسي غسان بن جدو، قالت إنها ستبث مساء أمس ‘بعد نشرة الأخبار الرئيسية’. في أي ساعة؟ اقرأوا الكف لكي تعرفوا لأن ‘الدنيا’ لا تعطي وقتا محددا، ربما لأن العالم كله يشاهد ‘نشرتها الرئيسية’ يوميا ويعرف موعدها بدقة (وعليه، الحق على الذين تعرفوا عليها متأخرين مثلي لأنهم وصلوا متأخرين)، أو ربما لأن نشرتها الرئيسية غير مضبوطة بوقت فتأتي في أي وقت عندما يسمح أمثال ناصر قنديل.
أكتب ولا أعرف ماذا سيقول بن جدو، لكن بصدق، أتمنى أن يقلل من تصريحاته الصحافية لا لسبب إلا صونا لنفسه. فالقاعدة البسيطة هي أن الذي يتكلم أكثر مرشح للخطأ أكثر. والرجل له مكانة محترمة ورصيد وشعبية لا شيء قد يقضي عليها غير الكلام الكثير في هذه الظروف المعقدة.. حتى لو كان الكلام في ‘الدنيا’ أو لها.
اسمع كلامي يا غسان!
* كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’
toufik@alquds.co.uk






