سوف تواجه العلاقات التركية-الأميركية الكثير من المسائل المهمة في العام الجاري. غير أن الأولوية القصوى في الشهرين المقبلين يجب أن تكون تفادي حدوث أزمة كبرى بشأن المسألة الأرمنية.
ليس سراً أن الرئيس الأميركي باراك أوباما والكونغرس ذا الغالبية الديموقراطية يرغبان في الاعتراف بالإبادة الأرمنية. فقد صدرت تصريحات عدة عن الرئيس أوباما خلال حملته يبدي فيها نيته السير في هذا الاتجاه. يقول البعض إن الترشح للمنصب و"ممارسة الحكم" هما أمران مختلفان. وعلى الرغم من أننا نميل إلى اعتبار التصريحات خلال الحملة الانتخابية جرّد وسيلة لاستقطاب الناخبين، إلا أنني أعتقد أن أوباما هو من نوع السياسيين الذين يعنون ما يقولون. فخلافاً للعديد من أسلافه، إنه مفكّر حقيقي، وعلى الأرجح أنه كوّن فكرة وافية عن المسألة الأرمنية حتى قبل أن يصبح رئيساً. وهناك تالياً احتمال حقيقي بأن يلتزم ما قاله.
وكنت أظن أن الاختبار الحقيقي سيكون في 24 نيسان [المقبل] حيث جرت العادة أن يصدر البيت الأبيض "بياناً من الرئيس حول يوم الذكرى الأرمنية". يشير البيان باستمرار إلى "المأساة وقتل الأرمن بأعداد كبيرة" ويحرص على تفادي استخدام كلمة "إبادة". ونظراً إلى التزام أوباما تغيير هذا كله، ما زلت أعتقد أن هناك احتمالاً قوياً بأن تواجه العلاقات التركية-الأميركية أزمة كبرى في 24 نيسان. لكن في الأسبوعين الأخيرين، لم يعد بيان البيت الأبيض هو الذي يقلقني، إذ ينتظرنا حدث سياسي أكثر إلحاحاً لأن رعاة قرار الإبادة الأرمنية في الكونغرس مصمّمون على طرح هذا القرار غير الملزم على النقاش. وإذا نجحوا في ذلك، فقد تتأزّم العلاقات التركية-الأميركية قبل نيسان.
وما يزيد الأمور تعقيداً هو الغضب المتعاظم في الكونغرس الأميركي من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان. فقد أثار الكلام الحاد الذي صدر عنه ضد إسرائيل خلال أزمة غزة، الاستهجان ووفّر ذخيرة لمن يحذّرون منذ وقت طويل من حدوث تحوّل إسلامي في أنقرة. وغني عن القول أن مستوى الاستياء مرتفع جداً في أوساط اللوبي الموالي لإسرائيل. يقول البعض إن تركيا خسرت كل داعميها الأساسيين في واشنطن، وإنه لدى اللوبي الأرمني الآن فرصة فريدة لتسويق أجندته.
والرزنامة السياسية في الجانب التركي مقلقة بالدرجة نفسها. في حال طرح الكونغرس قرار الاعتراف بالإبادة الأرمنية على النقاش وصوّت لمصلحته قبل 29 آذار، سوف تسير الأمور من سيئ إلى أسوأ. فالانتخابات المحلية المنتظرة في تركيا سوف تجرى في ذلك التاريخ. ولا حاجة إلى أن يكون المرء ذا خيال واسع ليحزر كيف سيكون رد فعل أردوغان في حال صدر قرار بالاعتراف بالإبادة الأرمنية قبل أيام فقط من الانتخابات المحلية في تركيا. سوف يكون هناك انفجار قومي في البلاد، ولن يتمكّن الأشخاص الأكثر اعتدالاً من الفوز. وسوف تستتبع ذلك سلسلة من ردود الفعل الانتقامية بدءاً باستدعاء السفير التركي وفرض قيود على استخدام قاعدة إنجيرليك الجوية.
هل من طريقة للخروج من هذا المأزق؟ الجواب المختصر هو "على الأرجح لا". ففي غياب الخطوات الجذرية، لا تستطيع أنقرة فعل الكثير لإقناع المشترعين الأميركيين بعدم التصويت لمصلحة قرار غير ملزم. بإمكان تركيا دائماً أن تلعب ورقتها "الجيوستراتيجية" وتحاول أن تشرح كل الأمور السيئة التي قد تحصل في حال تأزمت الأمور. غير أن الديناميات الحالية في واشنطن سوف تحدّ من فاعلية هذه المقاربة. الاستراتيجيا الأخرى التي تستحق المحاولة هي اتخاذ بعض الخطوات الملموسة مع يريفان، مثل فتح الحدود وفتح سفارة في إطار التطبيع الكامل للعلاقات الديبلوماسية. لسوء الحظ، نظراً إلى الوضع الحالي للسياسة الداخلية التركية، لا يبدو أي من هذه المقاربات للانفتاح على يريفان واقعياً. باختصار، وانطلاقاً من المشهد الحالي، الاحتمال كبير بأننا نتّجه نحو كارثة في العلاقات التركية-الأميركية حتى قبل 24 نيسان.
"النهار"




















