دخلت الليرة السورية مسار الانهيار مع تواصل ارتفاع حدة الاحتجاجات الشعبية واتساع رقعتها الجغرافية. ويتوقع خبراء الاقتصاد النقدي ان يصل سعر الدولار الى اكثر من 60 ليرة سورية خلال الايام المقبلة مع اقدام عدد كبير من المواطنين السوريين على بيع الليرة لشراء العملات الاجنبية، بالاضافة الى تهربب الدولار والعملات الاجنبية من قبل رجال الاعمال وافراد ذو صلة بالنظام الى دول مجاورة لضمان اموالهم مع بوادر انهيار نظام بشار الاسد تدريجيا.
واعتبر خبراء الاقتصاد ان الحكومة السورية ستكون عاجزة عن السيطرة والحفاظ على قيمة الليرة السورية من الانهيار، على الرغم من انها نجحت سابقا بالتعاون مع رامي مخلوف (البنك المركزي لعائلة الأسد) وضخ مئات الملايين من الدولارات للحفاظ على سعر الصرف واستقرار الليرة خلال الاسابيع الاولى فقط.
وسبق وان تعهد عدد من التجار والبنوك لرئيس الجمهورية بان يعملوا على دعم الليرة السورية في اي وقت تطلب ذلك، الا ان خبراء الاقتصاد يشككون في مصداقية هذه الوعود معتمدون على مقولة اقتصادية شهيرة “رأس المال جبان” واي تعهد خارج المصلحة المباشرة هو ليس اكثر من مجاملات لتحقيق مكاسب من النظام. ومع ادراك الكثير من رجال الاعمال في سوريا ان النظام غير قادر على الاستمرار وحتى اذا استمر على المدى المتوسط فلن يكون هناك فرص استثمارية مجدية في سوريا. بكلام أخر، ليس من مصلحة رجال الاعمال ان يجمدوا امواله في الاسواق السورية ذات الوضع الحرج وبالتالي سيتهافتون سرا وعلنا على تحويلها الى عملات اجنبية وتهريبها الى الخارج مما سيسهم في دفع وتيرة انهيار الليرة السورية.
ويؤكد محللون سياسيون ان الانهيار الاقتصادي سيقود الى التعجيل من سقوط النظام، فالنظام السوري قائم على كتلة منظمة من الفساد الاقتصادي تنعم بالامتيازات المقدمة من نظام امني يمتلك سيطرة مطلقة تفوق القانون.
ومع انهيار الليرة وتدهور الفرص الاستثمارية ستنفض هذه الكتلة المنظمة للفساد لعدم توفر شروط بقائها وهو اقتصاد مفتوح تحت سيطرتهم. وبالتالي سينعكس ذلك على جملة النظام السوري بشكل كامل ويبدأ الانشقاق عليه اقتصاديا ثم سياسيا وربما عسكريا حتى الانهيار الكلي.
وارتفعت صيحات شعبية تدعو المواطنين بسحب اموالهم من البنوك وتحويلها الى العملات الاجنبية، فقد نقلت صفحة الثورة السورية ضد بشار الاسد على الفيسبوك تحذير ودعوة مفادها: “يا شباب كل واحد يسحب فلوسو ويحولها لعملة ثانية ويخبيها عنده في مكان آمن! الأمر أصبح واقعي واقتصاد الدولة يشارف على الأنهيار .. شوفوا حال البلد صارت مجمدة تجارياً والناس عم تقعد تسهر وتحكي عن الثورة ليل نهار ومافي شغل (ميت) والليرة – حسب خبراء ومحللين – في طريقها للانهيار .. الدولة عم تستنزف طاقتها القصوى عسكرياً واقتصادياً وسياسياً .. النظام خسر المعركة سياسياً ويقترب من الأنهيار اقتصادياً ولازالت الانشقاقات تحدث عسكرياً .. ماذا بقى لسقوط النظام؟؟ لازم نسحب فلوسنا من هالبنوك ونخلص من هالنظام اقتصادياً .. من أقوى مصادر قوة النظام هو البعد الاقتصادي وهو الي يوفر التمويل اللازم للقمع العسكري والأمني .. اذا انهارت الدولة اقتصادياً رح يصير نوع من الانصياع الفوري لمطالب الشعب ويصبح عندها سقوط النظام أمر واقعي وحتمي ..”
وعلى نفس الصعيد يعد الاتحاد الاوروبي مجموعة من العقوبات الاقتصادية الجديدة التي ستطال الشركات السورية المرتبطة بنظام الرئيس بشار الأسد واضافتها الى قائمة العقوبات الأوروبية، حسبما أفادت مصادر دبلوماسية أوروبية.
وأوضحت المصادر أن دول الاتحاد الأوروبي تفكر بتشديد العقوبات على سوريا لإرغام النظام على وقف القمع ضد الاحتجاجات المطالبة بإسقاطه.
وأضاف دبلوماسي أوروبي من بروكسل أنه يجري النقاش بين دول الاتحاد بشأن ماهية العقوبات الجديدة المزمعة، مشيرا إلى أنه لا نص مطروحا على الطاولة حاليا.
وفي واشنطن أفاد دبلوماسي آخر “نحن في الاتحاد الأوروبي نسعى لجولة ثالثة من العقوبات التي ستستهدف الشركات والمؤسسات الاقتصادية“.
وأكد أن هذا النوع من العقوبات يلقى دعما من الولايات المتحدة.
وكان الاتحاد الأوروبي قد أضاف يوم 24 مايو/أيار الماضي اسم الرئيس السوري بشار الأسد إلى القائمة السوداء المكونة من 23 مسؤولا كبيرا تقضي بتجميد حساباتهم ومنعهم من السفر.
وقبل ذلك كان الاتحاد قد فرض حظرا على الأسلحة وعلق مساعدته المخصصة للتنمية في هذا البلد.
يعتقد أن الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها سوريا منذ حوالي ثلاثة اشهر أضرت كثيرا بالاقتصاد السوري وعطلت تنفيذ مشاريع استثمارية كبرى وأضرت بجهود جذب رؤوس الأموال لدعم الاقتصاد بعد عقود من الاقتصاد الموجه.
وتؤكد شخصيات من قطاع الأعمال أن الاحتجاجات ضد الرئيس السوري بشار الأسد عطلت ثلاثة مشاريع استثمارية خليجية كبرى في سوريا.
وتعليقا على الوضع الاستثماري في سوريا، قال تيودور روزفلت العضو المنتدب للاستثمار المصرفي في بنك باركليز كابيتال إن سوريا كانت تبدو كأنها دولة مستقرة وتسير باتجاه التحديث، مضيفا أن الاحتجاجات الشعبية تشير إلى أن التفاؤل الذي حمله البعض بشأن هذا البلد كان في غير موضعه.
وأشار إلى أن المستثمرين قد يقبلون مرة أخرى إذا خرجت سوريا من هذه الأزمة بمؤسسات مدنية قوية وتطبيق حكم القانون.
وكانت شركة الديار العقارية القطرية الحكومية أعلنت إيقاف مشروع عقاري في وسط دمشق كان من المقرر أن يشمل مساحة مبان على 2.5 مليون متر مربع.
كما توقف مشروع أصغر حجما للشركة كان قد بدأ في مدينة اللاذقية الساحلية وهي إحدى المدن التي شهدت احتجاجات شديدة.
وكانت قطر من المستثمرين الكبار القليلين في سوريا في القطاعات غير النفطية إلى جانب الإمارات، وما زالت شركات أجنبية مثل شركة الطاقة توتال الفرنسية تعمل في القطاع النفطي الصغير في سوريا.
من جهتها قالت شركة دريك آند سكل الهندسية العالمية ومقرها الإمارات اليوم إنها أوقفت العمل في مشروع بتكلفة 28 مليون دولار في حمص وسط سوريا حيث نشرت القوات والدبابات في مواجهة محتجين. وأعرب مسؤول من الشركة عن أمله بتحسن الوضع السياسي.
وأرجأت شركة قطرية أخرى هي شركة الكهرباء والماء القطرية خططا لبناء محطتين لتوليد الكهرباء في سوريا.
وحسب تقديرات معهد التمويل الدولي فإن الاقتصاد السوري سينكمش بمعدل 3% خلال العام الجاري بسبب الاضطرابات بعد أن كان قد حقق نموا بنسبة 4% العام الماضي.
وقال مصرفيون في سوريا إنهم رصدوا هروبا للأموال خلال الشهرين الماضيين، مشيرين إلى أن المودعين السوريين قلقون من إيداع مبالغ كبيرة في القطاع المصرفي الوليد مفضلين إيداع أموالهم في بنوك معروفة في لبنان المجاورة أو أماكن أخرى.
ويقول عبد القادر دويك رئيس بنك سوريا الدولي الإسلامي، وهو الفرع السوري لبنك قطر الدولي الإسلامي، إن المودعين سحبوا ما يعادل 680 مليون دولار من بنوك خاصة خلال اول شهرين من الثورة، وهو ما يمثل 7% من إجمالي الودائع بهذه البنوك منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية.
وحسب مصرفي رفض التصريح باسمه، فان السحوبات تجاوزت 2 مليار دولار وان الطلب على السحب في ارتفاع وهذا يخلق صداع مالي للبنوك ويحد من قدرتها على العمل بشكل طبيعي وخصوصا الاستثمار منها الذي دخل مرحلة الشلل الكلي.







