برغم كل ما حدث ويحدث كل يوم من احتجاجات انخرط فيها أربعة اخماس الشعب السوري، إلا ان حزب البعث الحاكم في سورية ما يزال يتمسك بما يسمى دوره القيادي في المجتمع والدولة. ويرفض الغاء المادة الثامنة في الدستور التي تمنحه سلطة مطلقة.
وبرغم كل ما يحدث ويحدث من تغييرات في المحيط العربي والعالم، فان هذا الحزب ما يزال يمارس سياسة النعامة: أي انه يضع رأسه في الرمال عندما يواجه خطرا، لكي يتحاشى التجديد والتغيير.
وبرغم كل ما تغير ويتغير على مدار الزمان (ونحن نتحدث عن نصف قرن منه) فان هذا الحزب اثبت بما لا يقبل الشك انه حزب جمود عقائدي، وانه حزب لا يرى ولا يسمع ولا يفهم المتغيرات.
الوقائع المادية تقول انه يرفع شعارات جوفاء. لان الدلائل على ارض الواقع تقول انه لا حزب وحدة ولا حزب حرية ولا حزب اشتراكية.
في الوحدة، لم يحقق شيئا، وليس هناك على جدول أعماله أي مشروع للوحدة مع أي كان. وباستثناء الوحدة مع المشروع الفارسي، فان الوحدة العربية لا تبدو بالنسبة لهذا الحزب إلا كلمة في الفراغ. لا معنى لها ولا مدلول عليها ولا واقع يسندها.
ولا شيء أكثر من غياب الحرية يمكنه أن يخزي هذا الحزب. انه حزب انتهاكات لا حزب حرية. انه حزب مصادرة للفكر لا حزب أفكار. كما انه حزب مخابرات لا حزب جماهير. وستثبت الوقائع والإحصاءات المجردة انه أشطر حزب في التاريخ السياسي العربي في ممارسة أعمال التعذيب.
الذين دخلوا سجون هذا الحزب، لم يتخرجوا منها إلا محطمين في انسانيتهم بسبب أعمال التعذيب التي يمارسها أصحاب هذا الحزب.
والفكرة التي تسندهم هي انهم وحدهم على حق. وكل الباقي من البشر عملاء وخونة ومجرمين. وانطلاقا من هذه الفكرة يجيز رجالات هذا الحزب لأنفسهم ان ينتهكوا كل شيء.
صحيح انه لا يجوز القول ان كل اعضاء هذا الحزب معنيون بما يفعل، إلا انه من الصحيح أيضا انهم يجب ان يكونوا معنيين بحقوق وحريات شعبهم، والوطني منهم يجب ان ينضم الى شعبه، وان يقف الى جانب الحق، وان يبحث عن بديل أخلاقي وان يشق طريقه الى تجديد الفكر القومي.
وبدلا من “الاشتراكية” فكل المعطيات تشير الى أن البلاد تعيش على نمط عجيب من “اقتصاد الفساد”. وهو شامل الى درجة أن الوزراء أنفسهم مرتشون ويتصيدون لأنفسهم الفرص والامتيازات، فما بالك بغيرهم؟ وما بالك بالضباط؟
إن حزبا قاد بلاده الى الفشل، بكل المعايير، لا يستحق الدعم، ولا يستحق البقاء في السلطة.
والسؤال المنطقي هو: لماذا، بعد كل هذا الفشل، يتمسك حزب البعث بما يسمى “دوره القائد في المجتمع والدولة”؟ ألا يشكل احتكاره للسلطة نسفا، من الأساس، لكل مبدأ من مبادئ الحرية والديمقراطية؟ إلا يشكل تاريخٌ من الانتهاكات دليلا على ان هذا الحزب خلّف من الآلام والمآسي ما يستدعي من شرفائه المراجعة والتصحيح؟ إلا يجدر به ان يفسح المجال للتغيير وان ينخرط في مسار التجديد بدلا من العيش تحت ظلال القمع؟
لقد انجب هذا الحزب مناضلين وقدم شهداء. نعم، هذا صحيح، ولكنه كان في الكثير من الأحوال حزب قهر وظلم.
لقد آمن الكثيرون بتطلعاته التحررية. ولكنه لم يورّثهم إلا خيبة الأمل في كل وجه من وجوه هذه التطلعات.
كن منصفا، وكن صاحب ضمير، وقارن الحقائق مع وقائعها، وستجد انه فشل في تحقيق شعاراته وفشل في تلبية طموحات الجماهير منه، وها هو يرسل الدبابات لهذه الجماهير ليقصفها إذا طالبت بالحرية.
الارتباط بالجماهير هو طموح كل حزب. وتمثيلها والنطق باسمها هو المعيار الرئيسي، لكي لا نقول الوحيد، الذي يبرر وجوده كحزب.
وعلى الرغم من ان مفهوم الجماهير صار ملتبسا وقابلا للجدل بسبب تاريخ من التشويه والاستخدام المنافق، إلا ان مصالح الناس التي تمثلها حقوقهم الأساسية هي تلك الجماهير. هذا هو الحد الأدنى من المفهوم.
ولو كان لحزب البعث الحاكم في سورية ما يفهمه من فقه الجماهير، لما كان تجرأ على ان يتجاهل مطالبها الى هذا الحد، ولما كان تورط بأعمال يندى لها الجبين حيال حقوقها، دع عنك انه لا يتورع اليوم عن ارتكاب الجرائم ضد النساء والأطفال أيضا.
لو كان لأعضاء هذا الحزب ذرة ضمير لوقفوا في وجه حزبهم. ولقالوا له كفى ظلما، وكفى عنفا، وكفى جريمة، فهذا الشعب شعبنا، وهو إذا طالب بحقوقه وحرياته، فلأنه يريد عيشا كريما، وليس لانه شعبُ مجرمين أو مندسين.
حزب البعث، كان في أيامه الذهبية، حزب قيم ونضال وتضحيات. ولكنه تحول اليوم الى حزب جريمة وفساد وانتهاكات.
وهذا عيب. وهذه نهاية تُدمي القلب قبل أن تُدمع العين.









