غادروه بقوة، زرعوا تحت مقعد سيارته عبّوة ناسفة، ليتيقّنوا من أنه سيغادر مرةً واحدة، والى الأبد، بعد أن يأسوا من ثنيه عن قول الحق.
أسكتوه، بعد أن تعذّر عليهم اسكات صوته الهادر، أو تخفيفه على الأقّل.
جمّدوه، بعد أن فشلوا بإيقاف حركته اللولبية الصابية دوماً نحو الاعلى.
مزّقوا جسده، بعد ان ادركوا أنهم لن يستطيعوا الحؤول دون جعله سداً بين ماض انتقده، وبين مستقبل ديموقراطي كان لا يراه مستحيلاً.
غيّبوه، ليقطعوا الطريق أمام قائد خبير بميدان تنظيم قوى المعارضة الوطنية الحقيقية.
ألحقوه بسمير قصير، بعد انضمامه الى ثورة الأرز، بعدما استشرفوا امكانية تكوينهما معاً، ثنائياً وطنياً قادراً على بدء تحويلها الى ثورة وطنية ديموقراطية سلمية شاملة، ممّا يُشكّل خطراً على مسار القوى المهيمنة، المفروضة على الساحة اللبنانية بالقوة من قبل الخارج الاقليمي، والمرتبطة به، ويُنبئ بتغيير معادلاتهاوطموحاتها السلطوية الداخلية.
وضعوا حداً، لمدماك أساسي في اطلاق وعمل جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.
أطفأوا طاقةً متحرّرة متّقدة، بعد أن تعذّر عليهم ذلك بالاقناع والنقاش والجدال.
قضوا عليه، بعد ان نظر الى القضية الوطنية، من منظار داخلي مستقّل عن الإرتهان للخارج الاقليمي.
واغتالوه، في لحظة التباين الجوهري بين مقارباته الحيويّة والنقديّة، وبين مقاربات قيادات حزبه المتبلّدة والمحافظة حول قضايا مصيرية ملحّة.
اتى هذا الاغتيال، بعد اسبوع واحد من تزامن لحظتين خبيثتين:
الاولى، هي لحظة تحضير بيان إقالته من الحزب، من قبل قياداته المحافظة التي استطاعت إحكام قبضتها الحديدية عليه، لتعيد بذلك إحياء النهج الستاليني في التعامل مع كل من لا يرفع يده توافقاً مع قراراتها. حدث ذلك، بعد تنحّي أبو أنيس طوعاً عن منصب الأمين العام، وعودته لاحقاً الى صفوف الحزب، بهدف محاولة إيقاف انحداره الفكري، وضحالته السياسية، وبُعده عن فهم الواقع اللبناني المتغيّر، وتغرُّبه عن نبض الشارع، والذي تراكم كله نتيجة انهيارات المعسكر الاشتراكي المتسلسلة، وضياعه، وتخبُّطه، وعدم قدرته على بلورة هوّية سياسية وطنية ديموقراطية واضحة.هذا عدا عنسياسة التغييب القسري، والتهميش المتعمّد، والقمع، والقهر، الذي مارسه النظام السوري وحلفائه عليه، قبل الانهيار وبعده. ولكن أمل “ابو انيس” وأمل رفاقه ما لبث أن خاب، إذ أدّت مواقف الحزب المتشدّدة، والملتبسة، والمتناقضة، والمرتهنة في ما خصّ موضوع الوجود العسكري السوري في لبنان، وموضوع المقاومة والممانعة، أدّت الى خروج غالبية كوادره الأساسية من التنظيم، ولتُطهّر بذلك ساحته الداخلية من المشاكسين والمختلفين، وعلى رأسهم “ابو أنيس”، وتخلو الساحة لرفاق الصوت والرأي الواحد.
أمّا اللحظة الخبيثة الثانية، والمتزامنة مع الأولى، فكانت لحظة سؤال “ابو أنيس”، خلال برنامج حواري أُجري معه من على شاشة ” العربية”، حول تصريح لعبد الحليم خدّام، الذي خدم وطبّق أميناً سياسات حافظ الاسد البيضاء في لبنان، ولم يكن قد مرّ بعد على الخروج السوري منه 3 اشهر، قال فيه:” سوف نكسّر أيادي اللبنانيين لاحقاً”، ليردّ عليه بجرأته المعهودة، وبثقته بقيامة لبنان المستقّل، قائلاً:” ليست يداك فقط ستتكسّر يا ابو جمال، بل وسيُقّص لسانك ايضاً”.
هذا العام، في ذكرى اغتيالك الممزوجة بضوع الورد والياسمين والحرية، نفتقدك أبا أنيس أكثر، وتفتقد الساحات صوتك، ونضالاتك، وابتكاراتك، ومشاكساتك، فثورة الارز لم تعد ثورة، بل أضحت مجموعات غير متجانسة، مهمتها الدفاع عن مكوّناتها الباقية، وعن وجودها بأساليب ممجوجة، باهتة ومكرّرة، لا ترقى الى مستوى النضج الوطني المنشود.إذ تغيب عنهاالرؤوى التغييرية الواضحة، وتشي بأنها تخوض مجرد صراع على السلطة، وصراع البقاء، وخصوصاً بعد استقالة صديقك المُتعب وليد جنبلاط من صفوفها، وانضمامه الى الفريق الآخر الذي أحكم خناقه على الارض والسلطة، ليس ديموقراطياً، بل بقوة السلاح، وبخطاب التهديد العالي النبرة، وبرفع الأصابع المهتزّة في كل الإتجاهات. ولكن الافتقاد الأكبر كان للحركة اليسارية عموماً، فقسم منها ما زال يترقّب دون أمل، وآخر جنح في اتجاه أفقده هويّته وتوازنه، وأفقده الرؤويا المفترضة، الطابعة اصلاً لوجوده، وثالث انزلق في الاتجاه المعاكس، أي ذلك المؤآتي لريح انزلاق حزبك الشيوعي، هذا الحزب الذي وبعد استكماله النهج الستاليني، عاد طائعاً، صاغراً، مطأطئاً، الى كنف نهج العصابة البكداشية ( متمثلة بالورثة التاريخيين)، وبات ما يقّربه منها، اكبر بكثير ممّا يفرّقه عنها، فكلاهما تغيّر وتطوّر، وتكشّفت له الحقيقة التاريخية (بحسب بياناتهما الرسمية، وليس تجنياً)، بأن تحقيق الشعارات الأممية، لا بُدّ من ان يمّر اجباراً بطريق حزب البعث واستبداده. هذه العصابة البكداشية التي كانت بزعامة رئيسها ” الخالد”، هي نفسها التي استطعت عام 1968، وبعد المؤتمر الثاني للحزب بالذات، بجهودك وجهود رفاقك المضنية لأعوام طويلة، التخلّص من هيمنتها، وديكتاتوريتها وتبعاتها.
“أبو أنيس”، لقد افتديت انت ومن استشهد قبلك وبعدك، أرضنا الطيبة، وروت دماؤكم ترابها المتشقّق، وما زال هناك شهداء يتقدمون ليفتدونها من اجل استكمال عيد الحرية، لأجلكم كلكم نقول، لن نسامح ولن ننسى.
فارقد بسلام، أيها المناضل الوطني، العربي والامميّ، فرفاقك ما زالوا كما تربّوا، يناصرون الشعوب المقهورة والمقموعة والمفجوعة، ضد كل انواع سلطات الاستبداد القائمة والطامحة، أما الذين بالك منهم، فهم باقون كما عهدتهم، الزلّة تلو الزلّة، والسقطة تلو السقطة، بانتظار الزلّة والسقطة الاخيرتين.
رفيق أبو انيس، لك منّا ألف تحية، ولروحك السلام، ولذكراك الورود الحمراء، وعلى صدرك عقود الياسمين.











