عرفت سورية منذ بداية عهد الأسد الأب تجمعاً دينياً حول شخصه بشكل فاضح لا ريبة فيه، وكان يتصدر هذا المشهد الشيخ أحمد كفتارو، ومن خلاله معظم مشايخ دمشق وحلب وبقية مدن سورية، كانت علاقة النظام مع رجال الدين على الدوام وثيقة بما يقدمونه من ولاء لا تشوبه شائبة، ومن دعم ومساندة متنوعة ابتداء من إسباغ الصفات الإيمانية على القائد العظيم والدعاء له في كل مناسبة والتحلق حوله عند كل فرصة، وانتهاء بما نشروه من ثقافة الخنوع والاستكانة وهجر الدنيا، بل إن سورية شهدت حالة من التناقض الشديد في طبيعة مواقف النظام إزاء الممارسات الدينية، إذ كان النظام يحارب المظاهر الدينية ويهدد المتعلقين بالمساجد، وفي نفس الوقت لا يترك مناسبة دينية إلا ويحتفل بها باهتمام يدل عليه حضور حافظ الأسد واستماعه إلى الجوقة الدينية التي كان يتوسطها المنشد الشهير توفيق المنجد، مع تحلق ثلة من المشايخ حوله، يتقدم أحدهم لإلقاء خطبة تمجد القائد الخالد أكثر من اهتمامها بالمناسبة المنعقد جمعهم بسببها، واستمر هذا الأمر كتقليد موروث مع الابن الذي خفف شيئاً من الإجراءات الصارمة تجاه المظاهر الدينية. من أجل استثمار البعد الديني في سياسات إقليمية واضحة، هذا ما كان من شأن المشايخ، شذ عن هذا المنهج المثقف ذو التوجه الإسلامي، فتحول إلى عدو للنظام غالباً، لأنه أبى ثقافة الانقياد، وصرح بالنصوص التي تحث على مواجهة الظلم والفساد الأخلاقي والإداري. بل إن البعض تنظم في إطار حركي وحاول استعادة السلطة من الانقلابي الأخير. فكانت الأحداث التي صبغت بالدم أواخر السبعينات، وبداية الثمانينيات.
المثقف الإسلامي لم يكن نمطياً، ذو مواصفات محددة، بل تنوعت أصناف المثقفين الإسلاميين في تشددهم وموقفهم إزاء العنف، لكن الجميع اتصف بنظرة نقدية لا يشوبها النفاق، وعبرت عن اتجاهات فكرية حقيقية لا مكان للادعاء فيها، فمثلاً سعيد حوى وجودت سعيد على الرغم من البون الشاسع بين منهجيهما، إلا إن كل منهما كان لديه منهج يؤمن به ويدعو إليه لا يخشى فيه لومة لائم ولا ترهيب قامع ولا يبتغي شيئاً من (عرض) الدنيا وزخرفها. لذلك حفلت السجون بهما وبأمثالهما دون تفريق، فالمشكلة لا تتمثل في نوعية النقد، إنما في الجرأة عليه واجتراح المشهد العام للولاء.
ولاء طبقة رجال الدين في عموم سورية مرت عبر الرهط القريب من حافظ الأسد، ومن خلال وزارة الأوقاف تحولوا إلى موظفين لدى النظام، وتمت مصادرة مهام دور العبادة لصالح السلطة وتسويغ كل ممارساتها حتى الفجة منها. وانتشرت معاهد الأسد لتحفيظ القرآن، ومع أن الأسد الأب ضيق كثيراً على الممارسات الدينية الإسلامية إبان سحقه للإخوان، واستذل كل تعبير عن التوجه الديني، استغرق رجال الدين في ولاء أشد وتمجيد أبعد. إذ كانت الصلاة بحد ذاتها أشبه بتهمة، منعت في المؤسسات التعليمية، وعوملت بقسوة في مؤسسات الجيش، وأصبحت مثاراً للريبة في الولاء للوطن المختزل في شخص (القائد). وقد شهدت شخصياً أكثر من مرة كيف يلهو مراهق يحمل السلاح على الحواجز الكثيرة التي تفصل المدن، برجل دين فيسخر من لحيته وعمته وثيابه، بل رأيت بعيني كيف يلطمه على رأسه الأصلع ويهدده بإطفاء السيجارة في منخريه.
هناك نموذج من رجال الدين يقف في المسافة بين الاثنين، بين المثقف الإسلامي وبين رجل الدين الذي يمارس دوراً دعوياً (إمامياً)، بشكل مباشر، معظم هؤلاء منشغلون بالكتب الصفراء عن أمرين، منشغلون عن التزلف للسياسي، ومنشغلون عن مناصرة المناهضين، ومعظمهم من الكتاب في مجالات الشروح والتفاسير والترجيحات الفقهية والنصوص الوجدانية والوصفية المثالية. كان من هؤلاء البوطي طيلة حقبة طويلة، ومع أنه كان يختلف مع المناهضين، فإنه لم يكن في جيب النظام، وكان يستمد حضوره من تقدير لا يقتصر على سورية وحدها، بل يكاد يشمل معظم العالم الإسلامي.
في أواسط الثمانينات استهوت الشيخ لعبة الإعلام والسياسة، وهو القادم من أرومة كردية مهملة، بدأ يتورط مع السلطة مضحيا برصيده عند الكثيرين من أتباعه الذي كانوا يعتبرونه أعلى من النظام، ولعله كان من أوائل من دافعوا عن المنطق الديني على الإعلام السوري بعد عهد طويل من محاربة كل مظهر ديني، وذلك في سجاله مع الطيب تيزيني أواخر الثمانينات.
استغرق الرجل في عالم الأسد الأب، مستمتعاً بأمان شخصي كونه من حاشية المجرم الكبير، أكثر من استمتاعه بالأعطيات البخسة. وأظهر ورعاً تجاه رئيسه خلال التعزية بابنه الذي قتل نتيجة السرعة المتهورة، قلما أظهره الشيخ تجاه خالقه، ثم انهار الشيخ وهو يبكي قائده الذي مات قبل أن تقتص منه الجماهير التي اعتدى عليها طويلاً، وبقي الرجل يتوسل الابن بعض الاهتمام مثلما كان يتلمظ لينالها من الأب، خلال عقد من الزمن لم تتح للشيخ الجليل أن يظهر تميز ولائه عن غيره، وخاصة مع الطاقم الجديد الذي يتقدمهم الحسون المغرد، الذي فاق الجميع تزلفاً ونفاقاً وخدمة. إلى درجة تحوله عن مذهبه بشكل غير رسمي.
ولأن إحدى الشرارات الأولى للثورة السورية انطلقت من جامع الأمويين بعيد خطبة للشيخ البوطي، سيطر على خطابه وخطبه فيما بعد نفس تأسفي، فأصبح الشيخ معنياً بما يجري من حراك في المدن، وكأنما له في الأمر ذنباً، فبات يتهجم عليهم بوعي وبلا وعي، بل إنه في هجومه ونقده (للثائرين من أجل عزة الإنسان والوطن) لا يرتدع عن وصمهم بما لا ينطبق سوى على السلطة التي يستبسل في الدفاع عنها. واخترع الشيخ مصطلحات (كالهرج والمرج) ليحيل عليها مواقف فقهية ونصوص شرعية، في خطوات متعثرة لا تليق بأدنى مراتب الفهم للنصوص، بل إنه في بعض تأويلاته يذكرني بالمذيعة الليبية التي اعترضت على تبني مجلس الأمن قراراً ضد نظام القذافي بقولها أن التبني محرم شرعا في الإسلام!!!!
في المشهد المرافق بؤس متعدد، البؤس الذي يلف جامع بني أمية شبه الخالي، والبؤس الذي يلف كلمات الشيخ الذي يحاول النيل من الأحرار الذين لا يشاركونه عبوديته لبشار الأسد، والبؤس الذي تبوح به سمات شيخ ثمانيني قضى عمره يدعو الناس للانصراف عن الدنيا وزخرفها، وهو يستمسك بها مسك الغريق بعود أهيف.
في هذا المقطع يتهم المتظاهرين كعادته، ولكنه يجزم هذه المرة بأن السفير الأميركي يقودهم، وهو في هذا الأمر يؤكد المقولة التي تشير إلى أن الشيخ البوطي يتلقى تصريحات النظام كأنها الناموس الذي ينزل على الأنبياء. فيعدل خطابه وفقها، ويستدعي لها البراهين التي يظنها والتأويلات التي تحتاجها، والنصوص التي تدعمها، لكنها في المحصلة لا تكون سوى خلطة سمجة وثقيلة لا تتقبلها أي ذائقة سليمة أو عقل يتدبر، ويصر الشيخ على الذهاب أبعد مما تذهب السلطة، فالسلطة التي تتهم السفير بأنه يحاول التأثير على الأوضاع، لم تصل إلى إدعاء ما وصل إليه البوطي من أن السفير أصبح إماماً للمجاهدين. لا يشك عاقلان أن النظام وإن صمد بعض الشيء فإن أوان زواله قد حان، ولن تكون له فرصة البقاء، في ظل ما يحدث وما سيحدث، أما آن لك أن تستح أيها الشيخ الطاعن في النفاق؟!
مقطع الفيديو المرفق:




















