فترة " ما بعد الأعياد" لم تكن يوما مصدر فرح عارم. بعد أشهر الصيف والأعياد، التي لا يعمل فيها العمال، نعود فجأة الى روتين العمل المتواصل والطويل. الآن انتهت الذرائع. اهلاً وسهلاً بكم في الحياة الحقيقية.
بيد أنه في هذه السنة توشك هذه الفترة على أن تكون أكثر كآبة من المعتاد. ففي أعقاب الأزمة الاقتصادية الكبيرة، يتوقع للاقتصاد الإسرائيلي اليوم، الذي لا يزال يعمل وفقا لمعايير تفيد أنه " لا يوجد إقالات من العمل قبل الأعياد"، الدخول في عملية إقالات مؤلمة وعميقة.
فالتكهن المستقبلي الرسمي للجمعيات الاقتصادية يتحدث عن 55 ألف عائلة ستفقد مصدر رزقها وعيشها، لكن الأعداد ستكون على ما يبدو أكبر من ذلك، بسبب قطاع إضافي يكاد لا يُذكر حتى اليوم عند الحديث عن هذه القضية الصعبة ـ القطاع الثالث. المقصود بذلك المنظمات التي تنشد الأهداف الربحية، الهيئات والجمعيات التعاونية التي تحل مكان الدولة خلال العقود الأخيرة في كثير من المجالات، بدءاً بالتعليم، مروراً بخدمات الرفاه الاجتماعي وصولاً الى المساعدة الطبية والغذائية.
هذا القطاع تحديدا، والذي أُعتبر من بين العاملين فيه منذ سنين عديدة، القطاع الذي يتوقع أن تشهد خدماته اقبالا وطلبا متزايدا بسبب الوضع الاقتصادي الصعب، يتوقع له أن يتلقى ضربة مؤلمة تسبق الضربة التي ستتلقاها سائر فروع الاقتصاد. وهذا ينبع من ان غالبية التمويل لنشاطاته تأتي من مصادر في خارج إسرائيل، لا سيما في اميركا الشمالية.
وبذلك يكون هذا القطاع تعرض للمعاناة مرتين. الأولى، انخفاض سعر صرف الدولار ما ادى الى سحق نحو خمس القيمة " الشيكلية" ( نسبة الى الشيكل، العملة الإسرائيلية) التي كانت لدى المنظمات التي تتم نفقاتها ـ أجور وغيرها ـ بالشيكل طبعا. وثانيا، بسبب حقيقة أن غالبية المساهمين من الولايات المتحدة ومن سائر أنحاء العالم، خفّضوا مساهماتهم، لا بل جمدوها كليا الى أن تمضي موجة الغضب.
هذا هو السبب وراء توقع إغلاق عدد غير قليل من المؤسسات في الوقت القريب. يجري الحديث عن بُشرى قاسية، ذلك أن هذا القطاع يضم اكثر من 55 ألف جمعية ومؤسسة، تشغل ما يقارب المائة ألف شخص، وتستهلك خدمات أُخرى توفر العمل لعشرات الآلاف الآخرين. هذه الأمور صحيحة بشكل خاص في مناطق الضواحي، حيث تعتبر المنظمات مصدر العمل الأكبر،المباشر وغير المباشر.
أكثر من ذلك، خلافا للقطاعات الأُخرى، التي ربما تساعدها الأرباح التي سبق لها أن حققتها، فإن هذه المنظمات لا تضم بطبيعتها هكذا احتياطيات. وبما أنه ليس ثمة حاجة للحديث عن أهمية هذه المؤسسات بالنسبة للمجتمع والاقتصاد الإسرائيليين، فإن صرف العمال من وظائفهم سؤدي الى تقليص ملموس في الخدمات الاجتماعية.
حال الأوضاع هذه تلزم الدولة بمنح مساعدة فورية وطارئة لهذه المنظمات كمرحلة أولى، على غرار المساعدات التي تمنح للصناعيين ولقطاعات أُخرى، وكما يحصل في الدول الأُخرى. على المدى البعيد، يجب أن يُذكرنا هذا الأمر بالسبب الذي يجعل الاعتماد على مثل هذا القطاع أمرا خطيرا جدا، وإيكال وظائف الدولة الكلاسيكية ومهامها اليه، لاسيما في مجال الرفاه الاجتماعي، الصحة والتعليم.
مثلما تُنتج الأزمة الحالية تغييرا يتمثل في إعادة القوة الى الدولة في مجال الإشراف والضبط الآلي لسوق المال، هكذا ينبغي أن تُعاد الى الدولة المسؤولية أيضا في مجال توفير الخدمات الاجتماعية. وهذا ما ينبغي القيام به اليوم، لأن ذرائع " ما بعد الأعياد" انتهت، بكل المعاني.
(»معاريف« ٢٩ /١٠/ ٢٠٠٨)
ترجمة: عباس اسماعيل




















