يندرج ما سمي (باللقاء التشاوري) الذي أعدته السلطة في عدة استهدافات أساسية، نوجزها فيما يلي:
1- الترويج لفكرة أن السلطة بدأت تستجيب لمطالب المعارضة والشارع المنتفض، وأنها تعمل لعقد مؤتمر وطني شامل، وما زالت تمسك بزمام المبادرة، وتحمل في جعبتها حلولاً سياسية. الأمر الذي يعمل على طمأنة الأوساط القلقة والخائفة من تدهور الحالة الأمنية ومن عجز السلطة عن ضبطها، كما يروج الإعلام الرسمي بأن التدابير الأمنية تجاوزت المرحلة الصعبة، بدليل أن الحوار الدائر سوف يخفف من الاحتقان القائم في صفوف الشباب الثائر.
وهي رسالة أيضاً للخارج وفحواها؛ إظهار الاستجابة (الإعلامية) لمطالب المجتمع الدولي، ولنصائح الحلفاء والأصدقاء وحتى الخصوم، الذين ما زالوا يمنحون السلطة مزيداً من الفرص للنجاة برأسها، بالرغم من تصاعد الضغوط الدولية والعقوبات التي فرضت عليها.
2- حرف الانتباه عما ترتكبه السلطة من جرائم وفظائع، فهي ما زالت تتبع الحل الأمني كطريق وحيد لحل أزمتها مع الثورة، من أجل إحباطها وكبح جماحها، أو اختصارها إلى مجرد أزمة ستجد حلولها بالتعاون مع (الوطنيين) وفتح صفحة جديدة مع الشعب السوري.
3- انتزاع الاعتراف من ما يسمى المعارضة ومن بعض الامتدادات الأمنية والسياسية للنظام والأطراف والشخصيات التي تدور في فلكه، بأن هناك مؤامرة، وتدخل خارجي، ومسلحون يعملون لمصلحة الخارج، وهناك أيضاً تحريض طائفي (….) وأخيراً ابتدع اتهاماً جديداً بأن هناك تنسيقاً بين انتفاضة الشارع والإدارة الأمريكية، وهذا الاعتراف يشكل بالنسبة للسلطة قاعدة سياسية وأمنية أساسية، فعلى متنها يمكنه تشويه سمعة الثورة وشبابها كمقدمة لإجهاضها، وفي ضوئها أيضاً يمكنه التنصل من مسؤوليته عما ارتكبه من جرائم قتل وحصار وتهجير بحق الشعب السوري، كما تسعفه هذه الأرضية بإدانة جميع المنتفضين والمتظاهرين تحت هذا الإدعاء، وتخوين 700عائلة هربت إلى تركيا من جحيم نيرانه، بحجة أنها عصابات مسلحة يديرها عسكريون فارون من وجه العدالة.
4- العزف والتنغيم بشكل خفي ومعلن أحياناً على أوتار الخوف من التغيير ومن البديل الذي يمكن أن تسفر عنه تطورات الثورة السورية، والخوف من فزاعة السلفيين والإخوان المسلمين، واستغلال مخاوف أوساط اجتماعية معينة، ممن لا يقبلون بحكم هؤلاء، وبالتالي، جذبهم إلى صفوفه للدفاع عنه.
5- إحداث تصدع وانشقاق في صفوف المعارضة، وتقسيمها إلى معارضة حوارية (عاقلة)، ولا تضيع الفرص الذهبية التي تمنح لها، ومعارضة متصلبة ولا تريد الحل لأن لها أجندتها الخاصة، أو لارتباطها بأجندات خارجية، أما معارضة الخارج فهي تعمل لتحقيق مصالح الدول الكبرى.
6- السعي لكسب الوقت وإشغال الساحة بورشة حوار لفترة قد تطول كما حددها الأسد في خطابه ( بأن الأزمة ستطول ربما أشهر وربما سنوات، لكن من الضروري أن يكون عنوانها هو الحوار الوطني). بمعنى آخر يريد أن يقول لنا أن النظام باق، والرئيس باق تعالوا إذن نتفاهم على بعض الأمور والمطالب الجزئية مع بعض التغييرات الشكلية التي تحافظ على استمرار النظام، وهذا أقصى ما تستطيع السلطة أن تقدمه للمعارضة والمجتمع، أي أننا في كل الأحوال سنبقى تحت سيطرة وسلطان الأجهزة القمعية وفروع المخابرات المختلفة.
في حيثيات اللقاء ونتائجه:
– هل يستطيع أحد في سوريا أن يعتقد ولو للحظة بأن نتائج هذا الحوار أو التشاور ومقرراته سيقررها هؤلاء المجتمعون؟!. فالسلطة هي التي حددت أسماء المدعوين، وهم على تنوعهم ينتمون لطيف واحد يلوذ بالسلطة ويعتبرها ( سقفه الوطني). لقد تحدثوا في أمور كثيرة، لكن البيان الختامي تحدث عن أشياء أخرى لم يتناولها المتحاورون.
– لا زال الهروب من الاعتراف بالأزمة وبوجود ثورة سياسية وطنية سلمية هما القاعدة التي تنطلق منها السلطة، فهي في الكثير من بنود بيانها الختامي تطعمنا جوزاً فارغاً، أو تبيعنا من كيسنا كما يقال، فمع هذا البيان أصبح الإفراج عن المعتقلين السياسيين والمتظاهرين إنجازاً للسلطة تساوم عليه، وليس خطف المعارضين من الشوارع هو الموضوع الرئيسي، كما أصبح تشكيل لجان للمعالجات السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو انجاز دسم، دون أن نسمع كلمة واحدة عن أسباب غيابها طيلة أربعة عقود.
– ثم تبدأ السلطة من جديد بالتغني بأهزوجة الاستقرار (بوصفه ضرورة وطنية عليا) كما جاء في البيان، دون أن نعرف عن أي استقرار يتحدثون، هل ذاك القائم على القمع والعسف والاضطهاد والتمييز ودوس القانون وسلطة الفساد والإفساد وصولات المافيات وأزلامهم من الشبيحة؟!… ليس هذا فحسب، بل يقررون دون خجل: ( أن التسامح قيمة مثلى للخروج من الوضع الدقيق السائد)! ونحن نسأل من يسامح من؟!… من قتل حمزة الخطيب وسارة وقص حنجرة ابراهيم قاووش، ودمر مدينة بأكملها وقتل أكثر من ألفي شهيد هو الذي يذكرنا بالتسامح، هل حاسب أحد القتلة؟ هل أطلق هذا المتسامح سراح المعتقلين، وسمح بعودة المنفيين، وتوقف ولو لمرة عن شتم شعبه ووصفه بأبشع النعوت… لا نظن أن الشعب جاهز بعد الآن للتسامح مع نظام القتل والاعتقال وسفك الدماء.
– يؤكد البيان الختامي أيضاً بأن (الحوار هو الطريق الوحيد للتغيير وحل الأزمة)، ونحن نتساءل: لماذا الوحيد؟ هل هذه رغبة السلطة؟ وهل وصلت الحركة التصحيحية للسلطة عن طريق الحوار، وهل فعل ذلك نظام 8 آذار 1963، لماذا التقرير إذن بأن من يدعو إلى إسقاط النظام محروم من الحوار؟ هل من المعقول أن تقنع أحداً في سوريا بأن الدولة المدنية المزعومة سيترأسها نفس الرئيس صاحب النظام القمعي الشمولي والاستبدادي؟. المسألة إذن هي أن يبقى في السلطة!. وكيف سيحدث إذن التغيير الذي يدعو هو إليه.
– واستطراداً نتساءل ما معنى (أن هيبة الدولة جزء من التفويض الوطني)؟ هل هذا النظام شرعي ومنتخب وجاء إلى السلطة بتفويض من المواطنين حتى يدينوا له بالطاعة والاحترام ويحفظون له الهيبة؟ الهيبة للدولة نعم، ولكن ليس للسلطة المغتصبة لإرادة الناس، ولا لرئيس يقتل شعبه بعد أن سامحه على وراثة السلطة. لكن الأدهى من ذلك أن يقرر البيان نفسه بأن (إقامة التغيير يعتمد على صناديق الاقتراع)، وكأنه اعتراف ضمني بأن لعبة صناديق الاقتراع كانت مزيفة سابقاً ولن يلعبوها بعد اليوم.
– وأخيراً قالوا أن المعارضة أضاعت فرصة ذهبية أتيحت لها ولم تستثمرها وهو موقف غير مسؤول من المعارضة؟ حسناً لن نناقش أكذوبة الفرصة أو صدقها، لكننا نتساءل أن من يقول ذلك هو نفسه الذي أضاع ثلاثة فرص تاريخية في عهده ولم يتوجه مرة للإصلاح: أولها؛ عندما سكت الناس عن وراثته للسلطة في جمهورية عربية سورية ذات دستور عريق أملاً في الإصلاح الموعود. وثانياً؛ في إعادة انتخابه مرة ثانية دون أن ينجز شيئاً مما وعد. وثالثاً؛ عندما هبت رياح التغيير في سوريا فواجهها بالقتل وإسالة الدماء وليس بالإصلاح!…. وختاماً نقول ليست هذه اللقاءات التشاورية وغيرها سوى ورقة توت كبيرة يخفي النظام عوراته بها.
++++++++++++++++++++++




















