بعد ست سنوات على إطلاقها في قمة بيروت، تتسابق القيادات الإسرائيلية الرئيسية للترحيب بمبادرة السلام العربية. فما الذي يدعوهم إلى الانقلاب على الاستراتيجية الإسرائيلية الأساسية في التفاوض مع العرب ؟ ولماذا في هذا الوقت بالذات ؟ وما هو مدى استعدادهم لاتخاذ خطوات ملموسة تؤكد صدقيتهم إزاء تحقيق السلام العربي – الإسرائيلي ؟ وهل إعلانهم عن تبنّي المبادرة العربية كأساس للسلام هو نوبة تعقل متأخرة ؟
لقد نقلت صحيفة " معاريف " عن الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز قوله " من الخطأ إجراء مفاوضات منفردة مع السوريين وأخرى مع الفلسطينيين، وعلى إسرائيل التوقف عن إجراء مفاوضات ثنائية، والذهاب إلى اتفاق سلام إقليمي مع الدول العربية وجامعتها ". ولعل بيريز أدرك أنّ التغيّرات التي ستحدث في الولايات المتحدة الأمريكية لا بد وأن تصاحبها تغيّرات في إسرائيل، فحاول استباق المأزق.
ويبدو أنّ هناك عدة أسباب تكمن وراء هذا الانقلاب، بعضها أملته متغيّرات دولية وإقليمية آنية، وبعضها الآخر وهو الأهم، يتعلق بالطموحات الاستراتيجية المستقبلية. لذلك يسعى قادة إسرائيل للحصول على صفقة شاملة في سلام إقليمي، لمواجهة أي خطر يهدد مصالحها في الشرق الأوسط.
ويمكن أن نستعيد بعض ما قاله رئيس الوزراء المستقيل أيهود أولمرت في أوضح عملية نقد ذاتي عندما قال: " علينا الدعوة إلى إقامة السلام الكامل مع الفلسطينيين والسوريين فورا… لقد أخطأنا 40 عاما مع الفلسطينيين وعلينا تقاسم الأرض .. لقد رفضنا رؤية الواقع ورفضنا مراعاة الخريطة التي تقول لنا بوضوح إنّ الزمن لا يعمل في صالحنا ".
كما لا يحتاج المرء إلي البحث طويلا عن أسباب الاهتمام المفاجئ في أوساط حزبي " العمل " و " كاديما " بالمبادرة العربية للسلام, إذ أصبحت الانتخابات المبكرة على الأبواب. وبما أنّ أحزاب الوسط واليسار تنوي خوض الانتخابات على أساس برنامج يحبذ الحل الوسط الإقليمي مع الفلسطينيين, فإنها تريد من الدول العربية أن تفعل ما في وسعها لإثبات جدوى هذا البرنامج أمام الناخب الإسرائيلي، تحسبا من عودة " الليكود " بزعامة بنيامين نتنياهو إلى حكم إسرائيل.
وقد يكون التوجه الإسرائيلي الجديد في إطار ملامح تبدّل استراتيجي في التعاطي مع المنطقة، على اعتبار أنّ الاستفراد بالمسارات لم يؤدِ إلى المطلوب إسرائيليا. وهو ليس معزولا عن أية خطوة مقبلة قد تكون موجهة إلى إيران، التي يبدو أنّ هناك سعيا حثيثا إلى عزلها عن حلفائها، أو على الأقل قطع خط التواصل معهم.
ولكنّ التحفظ الأساسي لإسرائيل على المبادرة العربية سببه أنها " فرضت حلولا مسبقة ولم تسمح بقيام مفاوضات تأخذ في الاعتبار المصالح الإسرائيلية ". وعليه، فإنّ إحياءها، وفقا للشروط الإسرائيلية، يوفر الغطاء العربي الذي يجعل تمرير الاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني ممكنا، ثم المساهمة العربية في حل قضية اللاجئين سواء بتحمل الجزء الأكبر من التعويضات أو توطين اللاجئين في البلدان العربية.
إذن نحن أمام موافقة إسرائيلية ملغومة بثلاثة أهداف كبيرة هي: التطبيع، وشطب حق العودة، واحتواء إيران النووية و" حزب الله " و " حماس ". وهكذا، فإنّ المؤشرات تنطوي على أنّ القبول الإسرائيلي بالمبادرة قد يكون قبولا لفظيا، يراد به فصل العرب إلى عربين، والالتفاف على جوهر المبادرة وهو الانسحاب الكامل الذي يفضي لسلام شامل. وما يجب الانتباه إليه هنا أنّ أحاديث الإسرائيليين لا تقول بقبول المبادرة كما هي، وإنما تقول بضرورة فتح باب التفاوض حولها كأساس للحل. لذلك طرح بيريز تصورا أوليا لما يعتبره مشروع سلام جديدا يصفه بأنه شامل بين العرب وإسرائيل، مما يعنى أنّ المبادرة العربية للسلام ليست أكثر من منطلق مبدئي لمشروع قد يبدو جديدا في شكله، لكنه قديم في محتواه ومضمونه. ويبدو أنّ الجائزة الكبرى، التي يتطلع إليها بيريز من مشروعه، هي موقف عربي يساند الرئيس الفلسطيني ويقوّيه ويتحمل معه، وربما بالنيابة عنه، المسؤولية عن إرجاء قضيتي القدس واللاجئين، أو تقديم تنازلات فيهما شديدة الصعوبة.
إنّ الاختلاف واضح بين الجانبين العربي والإسرائيلي، فالمبادرة العربية بالشكل الذي طرحت فيه غير قابلة للتفاوض في الجوهر، وهذا ما أكد عليه الرئيس مبارك بعد لقائه شمعون بيريز في شرم الشيخ. مما يعني أنّ التعاطي مع إسرائيل لا يمكن إلا أن يقوم على الحذر وعلى الحيطة وعلى التيقظ للكمائن الإسرائيلية.
ولكن من زاوية المصالح العربية العليا, بما في ذلك مصلحة الشعب الفلسطيني، لا بأس بمساعدة معسكر السلام الإسرائيلي على هزيمة زعيم " الليكود " نتنياهو. فإذا كان صحيحا أنّ من مصلحة جميع القوى الراغبة في السلام العربي – الإسرائيلي قطع الطريق على نتنياهو وحزبه, وإذا كان صحيحا أيضا أنّ للدول العربية دورا مهما في تفعيل المبادرة العربية إسرائيليا, عن طريق التأكيد مجددا على الالتزام بالاعتراف والتطبيع مع إسرائيل في إطار السلام الشامل, فيجب ألا يكون العرب والفلسطينيون هم أول وآخر من يدفع ثمن هزيمة " الليكود " في الانتخابات, إن حدثت, بل إنّ المسؤولية الأولى تقع على عاتق ما يسمى بمعسكر السلام الإسرائيلي نفسه. بمعنى أنّ على زعماء وأحزاب هذا المعسكر أن يكفوا عن لعبتهم المزدوجة التي ثبت أنها عقيمة, وتصب في نهاية المطاف في مصلحة نتنياهو وحلفائه من الأحزاب الدينية والقومية المتشددة في الانتخابات الإسرائيلية القادمة.
تونس في 2/11/2008 الدكتور عبدالله تركماني
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
(+) – نُشرت في صحيفة " الوقت " البحرينية – 6/11/2008.




















